مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
الأسس النظرية لعلوم الإتصال-المهدي الجندوبي

 

 

الجامعة التونسية

معهد الصحافة وعلوم الأخبار

 

 


 

الأسس النظريــــــــــة

لعلـــــوم الاتصال

 

 

 


وثيقة تأليفية من تحرير : 

الدكتور المهدي الجندوبي،    

 استاذ مساعد بمعهد الصحافة

 

 

مراجعة    :  الأستاذ عبد المجيد البدوي

 

 

نشرة تجريبية داخلية  1985  -  1986

 

 

 

 

ملاحظة منهجية بقلم المؤلف

 

 

انجزت هذه الورقة التأليفية، كوثيقة بيداغوجية مصاحبة لدرس نظريات الاعلام والاتصال (السنة اولى صحافة). وقد اعتمدت بالدّرجة  الاولى على كتاب

WOMEN MESSAGES AND MEDIA MEN  الذي نشره ولبر شرام في طبعة ثانية بالاشتراك مع وليم بورتر سنة 1982. وقد سعى الباحثان الى تلخيص اهم النظريات والمفاهيم المتداولة في علوم الاتصال.

 

واعتمدت بدرجة ثانية على مجموعة اخرى من المراجع (انظر البيبليوغرافيا)، وهي : كتاب د.جهان رشتي الأسس العلمية لنظريات الاعلام وكتاب COMMUNICATION THEORIES  لورنر سفرين وجيمز تنكارد وكتاب MEDIAS ET SOCIETE  لفرنسيس بال، وكلّها كتب تحاول تقديم نظرة شاملة لمختلف نظريات وقضايا الإتصال.

 تلخّص هذه الوثيقة بصفة مبسّطة مفاهيم ونظريات الإتصال قصد تعويد الطالب على استعمال هذه المفاهيم والاطلاع على اهمّ الاتجاهات النظرية المتواجدة في هذا الحقل المعرفي، وتهيئته للشروع في ممارسة المطالعة المنتظمة لكتب الاختصاص.

يسرّني ان انهي هذه الكلمة بشكر الأستاذ عبد المجيد البدوي، على الجهد الذي بذله لمراجعة النص الأصلي لهذا العمل.

 

م.ج

 

 

 

فهرس المحتويات

 

العناصر الأساسية المكوّنة لعملية الإتصال

 1.     ملاحظات بديهية حول الإتصال (4)

2.     نموذج لاسويل والمصطلحات الأساسية لوصف عمليات الإتصال البشري  (6)

الباث (7)، الرسالة (7)، القناة (7)، المتلقي (7)، النتيجة (7)

3.     النموذج الكهربائي

4.     نظرية المعلومات الرياضية او نموذج شانون و وينر (9)

أ‌)       الانتروبي (10)، 

ب‌)  المعلومة (10)،

ت‌)  التشويش (10)،

ث‌)  تكرار المعلومات (11)،

ج‌)    رجع الصدى (11)،

5.     متغيّرات المكوّنات الاساسية لعملية الإتصال (11)

 أنماط الإتصال البشري


1.
     تصنيف انماط الإتصال (15)

 

2.     مقارنة انماط الإتصال (15)

أ‌)       الحواس المستعملة (16)،

ب‌)  امكانية الحصول على رجع الصدى (16)،

ت‌)  مدى التحكم في نسق الاتصال (16)،

ث‌)  انواع الرموز المستعملة (17)،

ج‌)    طاقة المضاعفة (17)،

ح‌)    طاقة خزن الرسالة والمحافظة عليها (17)،

خ‌)    طاقة تجاوز الإنقاء (17)

 

3.     فلسفة ماك لوهان وانماط الإتصال (19)

 

4.     الإتصال الجماهيري (او الجماعي) (20)

أ‌)       حارس البوابة (23)،

ب‌)  السّحب (24)،

ت‌)  التوزيع (25)،

ث‌)  التعرّض لوسائل الإتصال (25)،

ج‌)    الجمهور (27)،

 

5.     وظائف الإتصال (29)

 

اشكالية تأثير وسائل الإتصال على الجمهور

 

1.     مفهوم التأثير (33)،

 

2.       الإدراك الإنتقائي  (34)،

 

3.     الموقف (35)،

 

4.     نموذج الرصاصة  (37)،

 5.     نموذج الاقناع الجماعي  (37)،

أ‌-       الاقناع حسب ارسطو (37)،

ب‌-  نموذج كارت وربت (38)،

ت‌-  دور المصدر في عملية الاقناع (39)،

ث‌-  محتوى الرسالة وعملية الاقناع (39)،

ج‌-    الجماعة الرجعية وجماعات التأثير الأولية (42)،

ح‌-    الإقناع بطريقة لعب الأدوار (45)،

 
6.     قادة الرأي وانتشار المعلومات على مرحلتين (46)،

 
7.     نموذج الجزاء والاستعمال (48)،

 
8.     نموذج التبني وانتشار الجديد (50)،

 
9.     نموذج توازن المعتقدات والسلوك (52)،

 قائمة المصطلحات (55)،

 المراجع (59)

 

    

  1.   ملاحظات بديهية حول الإتصال

 

رسالة

·         أم تقرأ رسالة من ابنها الذي يعيش في المهجر وقد سلمها اياها ساعي البريد

·         طالب يدّون ملاحظات اثناء محاضرة يلقيها استاذ بمدرج الجامعة

·         طفل يرسم تحت اشراف منشطة بروضة اطفال

·         عائلة تشاهد باهتمام حلقة من حلقات مسلسل مصري

·         رجل يتصفّح جريدة يومية وهو يترشّف قهوة الصباح

·         بائع يحاول اقناع رجلا وامراة يستعدّان للزواج بشراء غرفة النوم المعروضة

·         سفير تونس ببون ينظم حفلا بمناسبة عيد الجمهورية

·         امام يخطب في المصلين يوم الجمعة

 1)  هذه حالات متنوّعة من حالات الإتصال، وهي نشاطات عادية بديهية يقوم بها الفرد في حياته اليومية العائلية والمهنية حتى ان حياة الفرد تكاد تتكوّن كلّها من الآلاف من هذه الأنشطة المتتالية. ويلتجئ عادة الخبراء لفهم هذه الحالات الإتصالية الى تفكيكها تفكيكا اصطناعيا.

 2)  نلاحظ ان القاسم المشترك بين مختلف هذه الحالات يتمثّل في ارتباط جهة ما (شخص او مجموعة اشخاص او مؤسسة) بجهة اخرى. فالام ترتبط بابنها عن طريق الرسالة التي يحملها ساعي البريد ومطالع الجريدة اليومية يرتبط بهيئة التحرير وبالقضايا التي تعرضت لها الجريدة والسفير الذي ينظم حفلا يرتبط بالمدعوين من ديبلوماسيين سياسيين ورجال ثقافة.

3)  هناك جهة تسعى للاتصال بجهة اخرى. فالإبن هو الذي سعى للدخول في علاقة مع امّه عندما حرّر الرسالة واودعها البريد واستجابت الأم لهذا المسعى بعملية القراءة. والسفير هو الذي حدّد مناسبة الحفل وموعده وضبط قائمة المدعوين الذين لبّوا بدورهم الدعوة.

 ونلاحظ في حالات اخرى ان كل جهة تسعى من ناحيتها للاتصال بالجهة الأخرى. فالرجل والمرأة يسعيان نحو البائع الذي هو بدوره يسعى نحوهم وكل جهة تريد الوصول الى نتيجة : فالرجل  والمرأة يريدان شراء احسن غرفة نوم بثمن مقبول والبائع يريد بيع غرفة النوم المعروضة. كذلك فان الامام او الاستاذ لا يسعيان لوحدهما نحو جمهور المصلّين او جمهور الطلبة ولكن يقابل سعي كلّ من الامام والأستاذ سعي كلّ من المصلّين الذين يتّجهون نحو المسجد في وقت محدّد وسعي الطلبة الذين يلتزمون بالحضور والاصغاء والتدوين والمشاركة.

 4)  عندما يقرّر السفير تنظيم الحفل ويضبط قائمة المدعوين فهو يجسّد هدفا من اهداف مهمّته السياسية التي هي تمثيل بلده في قطر اجنبي واعطاء صورة ايجابية عن البلد وعن السياسة المتّبعة وذلك في الأوساط السياسية والإقتصادية والثقافية. وعندما يحرّر الإبن رسالة لأمّه فهو يريد ان يطمئنها او ان يطلب منها خدمة معيّنة وعندما يتوجّه المصلّي لحضور الجمعة فهو يؤدي واجيا دينيا واجتماعيا تبرز مختلف هذه الحالات وجود هدف هو الدافع لدخول جهة في علاقة مع جهة اخرى. فعندما يستجيب رجل الأعمال لدعوة السفير، قد يكون هدفه التعرّف على شخصيات تونسية في مجال الأعمال قصد بعث مشروع مشترك او الحصول على معلومات اوّلية تسهّل اقتحام السوق. وعندما تطالع الأم الرسالة قد تكون تسعى الى طمأنة نفسها او تنتظر تأكيدا او تكذيبا لخبر ما وصلها عن ابنها وعندما يلقي الامام خطبته قد يكون هدفه الأوّل نشر التعاليم الدينية وقد يكون ارضاء رجال السلطة او الحصول على احترام واعجاب المصلين.

 نلاحظ في مختلف هذه الحالات ان هدف كل جهة من عملية اتصال واحدة قد يكون هو نفسه بالنسبة الى الجهتين (الأم تريد ان تطمئنّ والإبن يريد ان يوفّر لها هذا الإطمئنان للأم وقد يختلف اختلافا جوهريا (الابن يريد توفير الإطمأنان) وهي من جهتها تنتظر اجابة محدّدة قد لا تمدّها بها الرسالة.

 وهناك حالات تنجح فيها ولو نسبيا عملية الإتصال من التقريب بين هدف كل جهة من الجهات المشتركة في عملية اتصاله بالحريفين تقريب هدفه الشخصي (بيع غرفة النوم المعروضة) من هدف الحريفين (شراء احسن غرفة نوم بثمن معقول) وينجح في محاولته عندما يقنع الحريفين ان الغرفة المعروضة هي بالذات احسن غرفة وبثمن لا يقبل المناقشة وهكذا نتحوّل من جهتين ذات اهداف غير متطابقة الى جهتين ذات هدف مشترك او متقارب. ومثل هذا التحوّل هو ثمرة من ثمرات الاتصال.

5)    نوعية ارتباط جهة ما بجهة أخرى تختلف حسب الحالة. فالطّفل الذي يرسم تحت رعاية المروّضة هو في علاقة مباشرة بها يستمع الى ملاحظاتها ويشعر بحضورها المادي والمعنوي. والسفير الذي ينظم الحفل سيصافح خلال الحفل المدعوين الذين استجابوا لدعواته ويتبادل مع بعضهم اطراف الحديث. اما العائلة التي تشاهد المسلسل المصري فهي توجّه انتباهها الى جهاز كهربائي يبث صورا واصواتا ترسلها مؤسسة اسمها الاذاعة والتلفزة التونسية التي اقتنت بدورها المسلسل من شركة انتاج مصرية او خليجية.

 والأم التي تطالع رسالة ابنها ترتبط به اثناء المطالعة عن طريق ورقة تحمل رموزا (الأحرف) مكتوبة بلغة معيّنة تفهمها الأم، وقد حمل لها هذه الورقة عون يسمى ساعي البريد يشتغل في مؤسسة وطنية اسمها البريد والبرق والهاتف وهي مؤسسة مرتبطة حسب اتفاقيات ثنائية ودولية بمؤسسات اجنبية مماثلة وتؤدّي هذه الخدمة مقابل مساهمة مالية من قبل المنتفعين.

 والرجل الذي يطالع الجريدة اليومية يكاد يجهل كل شيء عن هيئة التحرير وعن الناشر وقد تقتصر معلوماته على امضاءات المحررين وعلى بعض الأخبار المتفرّقة حول الجريدة او حول عضو من اعضاء هيئة التحرير. كذلك قد يجهل الكثير عن البلدان البعيدة وعن الشخصيات التي تكوّن محور مقالات الجريدة وكل ما يربطه بهيئة التحرير او بالموضوعات التي يعالجها العدد هي مجموعة من الصفحات من الحجم الكبير او المتوسّط، تحمل عنوانا قارا، تعوّد على شرائها ومطالعة بعض ما يرد بها.

 اشتركت هذه الحالات في وجود واسطة مكّنت جهة ما من الإرتباط بجهة اخرى وفي حالة غياب هذه الواسطة ينعدم الاتصال للبعد المكاني او الزماني بين جهة واخرى.

6)  تحدّثنا بصفة اجمالية عن الارتباط الذي يتم بين جهة واخرى ولكن ولكن ما معنى ان ترتبط جهة باخرى؟ الرسالة تحمل للأم اخبارا عن ابنها فهو يصف لها الظروف المعيشية والمهنية التي تحيط به ويعلمها بما فعله او بما سيفعله ويمدّها بافكاره وانطباعاته وبالمعلومات تجهلها. وهكذا فان ارتباط الأم بابنها يتم باشتراكهما في مجموعة من المعلومات التي لم تكن متوفّرة عند الأم قبل الإنتهاء من قراءة الرسالة وهو ما يعبّر عنه عامّة بمحتوى الرسالة.

والبائع الذي يريد إقناع الرجل والمرأة بشراء غرفة النوم المعروضة له مجموعة من الحجج التي سيقدّمها للحريفين حول جودة الخشب وطرافة الأشكال وشهرة المصنع ومقارنة السعر المطلوب بأسعار التجار الآخرين وكل هذه الحجج ستنتقل أثناء الحديث (أي أثناء الاتصال) من البائع إلى الحريفين. ولكن البائع الماهر لا يقتصر على الحجج المنطقية ولكنّه يستعمل طرقا أخرى تتمثل في المعاملة الحسنة للحريفين (ابتسامة، إبراز الاهتمام بما يقوله الحريف، حركات تعبّر عن الصداقة أو عن الاحترام). يلاحظ الحريفان هذا السلوك وقد يتأثّران به بصفة واعية أو غير واعية وقد يكمّل هذا السلوك الذي يرتاح إليه الحريفان الحجج المنطقية التي سردها البائع في صالح بضاعته.

2.     نموذج لاسويل والمصطلحات الأساسية لوصف عمليات الإتصال البشري

لنجتز الان هذا المستوى الاوّل من المعرفة الباشرة ونكتشف المصطلحات والمفاهيم والنماذج التي وضعها الخبراء لوصف وتحليل ظواهر الاتصال في المجتمع البشري.

اذا كان علم الاتصال مجالا حديثا من مجالات المعرفة، برز اساسا في بداية القرن مع تطوّر وسائل الاتصال الجماهيري واهتمام المحلّلين للظواهر السياسية والاجتماعية بمدى تأثير وسائل الاتصال على المجتمع، فان التفكير في ظواهر الاتصال قديم نجد آثاره في كتب الآداب والفلسفة والسياسة والتاريخ.

ويقدّم عادة خبراء الاتصال كتاب ارسطو في البلاغة كاوّل مرجع تناول قضايا الاتصال واعتمد مفاهيم مازال الكثير منها مستعملا الى حدّ اليوم.(2)

يلخّص لاسويل Lasswell وهو مختص في العلوم السياسية ومن رواد علوم الاتصال الاسئلة الأساسية التي يجب على كل باحث الإهتمام بها لفهم ظواهر الإتصال في المجتمع، كالاتي : من يقول ماذا باي وسيلة، لمن وباي تاثير؟.

 وتشمل هذه المقولة على اهمّ عناصر عملية الاتصال وهي :

(1)  يعتبر رصد الكتابات العربية القديمة في هذا المجال من اوكد المهام وذلك قصد حصر وتقييم الاسهام العربي في مجال معرفة ظواهر الاتصال. ويتحدّث الاستاذان عبد القادر بن الشيخ ويوسف بن ومضان (من معهد الصحافة بتونس) عن اهمية تجذير مفاهيم الاتصال الحديثة واستقراء الفكر العربي.

 (2)

الباث (من)

يعبّر عنه ايضا بالمرسل او المصدر، وهي الجهة التي تبادر عادة بالاتصال وتنتج مجموعة من المعلومات تريد ان توصلها الى جهة ثانية   (المـــؤسسة التي تنشر جريدة ما)

الرسالة (يقول ماذا)

وتستعمل ايضا كلمة المنبه، هي مجموعة المعلومات التي ينتجها الباث والتي يريد ان يوصلها الى المتلقي وقد تكون هذه المعلومات متكوّنة من كلمات وجمل تحمل افكارا وقد تكون متكوّنة من حركات ذات دلالة معيّنة (محتوى الجريدة المتكوّن من محتوى المقالات، علامات وجه البائع وحركاته وهو يستقبل الحريفين).

 القناة (باي وسيلة)

العلاقة التي ينشئها الباث (المرسل) بالملتقي (المرسل اليه) تمرّ عبر مسلك معيّن هو الذي جعل الرسالة تنتقل جغرافيا من نقطة الى اخرى. مؤسسة البريد والخدمات التي توفّرها (الطوابع البريدية، صندوق البريد، جمع الرسائل وتوزيعها...) هي الجهاز الذي مكّن الابن من بعث ورقة مكتوبة بها معلومات استطاعت الام ان تطّلع عليها عن طريق المطالعة. لعب هذا الجهاز في هذه الحالة دور القناة، أي الناقل المادي للرسالة. علينا ايضا ان نفرّق بين الرسالة في بعدها المادي (الورق) وبين محتوى الرسالة (المعلومات). استعمل الابن الورق لكتابة معلوماته ولكنه كان يستطيع ان يضع نفس المعلومات في كاسيت يسجّلها ويرسلها عبر البريد ايضا او ان يخاطب امّه شفويا عبر الهاتف. فورقة الرسالة او شريط الكاسيت او الهاتف هي ادوات مادية تختلف طبيعتها ولكنها تحمل رسالة واحدة.

وقد تتكوّن القناة من اجهزة معقّدة تسهر على تسييرها مؤسسات كبرى مثل البريد او ادارة البث الاذاعي والتلفزيوني او مصالح الطبع والتوزيع بالمؤسسات الصحفية، وقد تقتصر على الذبذبات التي تنقل بضعة امتار صوت فرد ما لجليسه

المتلقي (لمن)

يقال ايضا المرسل اليه او الهدف، هو الجهة التي يحاول الباث ان يتصل بها أي ان يمدّها بالمعلومات التي انتجها (قارئ الجريدة)

النتيجة (باي اثر)

يبادر الباث بالدخول في علاقة مع المتلقي لتحقيق هدف معين عن طريق مدّه بمجموعة من المعلومات. وقد يكون هذا الهدف تغيير موقف او سلوك المتلقي من مسألة ما. ولكن هذه النتيجة ليست آلية. فهل يكفي الباث ان يوصل معلوماته كي يستجيب المتلقي؟ وهل ان كلّ استجابات المتلقي تذهب في اتجاه انتظارات الباث؟ وكيف يمكن للباث ان يوفّر لنفسه اكثر الحظوظ للتأثير على المتلقي؟

 يطرح خبراء الاتصال العديد من الاسئلة حول هذا الموضوع وسنتعرّض في الابواب اللاحقة الى عينة من الاجابات المتكاملة احيانا والمتناقضة احيانا اخرى.

 تجتمع هذه المصطلحات الخمسة لتمكننا من وصف عمليات الاتصال حسب النموذج التالي :

 

                         الرسالة

باث                                          متلق                        

                            القناة

                                                        النتيجة (أي أثر)

يمثل هذا النموذج على بساطته نقطة الانطلاق للعديد من الكتابات في علوم الاتصال، فهو من ناحية يشتمل على المكوّنات الأساسية لعمليات الاتصال ومن ناحية أخري فان النقد المستمر لهذا النموذج سيثري أدبيات الاتصال (مجمل الكتابات في حقل معرفي) بإضافة مصطلحات جديدة وبتدقيق المصطلحات الخمسة التي أوردها لاسويل. ولم يقتصر النقد على المصطلحات فقط ولكن شمل أيضا المنطلق الفلسفي الضمني الذي ساد في ذهن من وضع ومن أيّد هذا النموذج الذي يضخّم من دور الباث على حساب المتلقي.

يكرّس نموذج لاسويل بصفة ضمنية قوة وسائل الاتصال الجماهيري إذ يهتمّ بتأثير وسائل الاتصال ويهمل الموقف الإيجابي للجمهور. ويندرج هذا النموذج فيما يسمى بالاتصال  في اتجاه واحد، أي أن جهة واحدة هي التي تنتج وترسل المعلومات وتقتصر الجهة الثانية على التلقي السلبي. وتستعمل هذه الصفة لتصنيف نظم الاتصال فيتحدّث الخبراء عن نظم اتصال ذات اتجاهين واحد ونظم اتصال ذات اتجاهين وهي التي توفّر للمتلقي إمكانية بث معلومات بدوره وتكون كل جهة من الجهات المشاركة في عملية الاتصال باثا ومتلقيا في نفس الوقت.

 3.     اسهام النموذج الرياضي في اثراء ادبيات الإتصال

الاتصال ظاهرة لا تقتصر على البشر اذ تشمل ايضا عالم الحيوان والفيزياء ولكننا سنقتصر في هذا الدرس على ما يسمى عادة الاتصال البشري او الاتصال الاجتماعي، على انه لا يجب ان نهمل ان خبرا الاتصال الاجتماعي اهتموا اهتماما كبيرا بابحاث مجموعة من المهندسين واستمدوا من اعمالهم بعض المفاهيم التي ستعرف استعمالا مكثفا في ادبيات الاتصال، نذكر منهم :  شانون وويفر

                  Weaver  Claude Schannon, Waren

اللذان نشرا سنة 1949 كتابا يحمل عنوان النظرية الرياضية للمعلومات وتعرّف هذه النظرية التي وضعت اسسها في مخبر شركة الاتصال  Bell Telephone   بانها تهتم بتحديد شروط تدفق رسالة ما بين مصدر وهدف وبنشخيص كل مصدر تشويش يؤدي الى تدهور الرسالة.

 نربرت وينر   Norbert Wiener  الذي اعتمد النظرية الرياضية للمعلومات مصيفا اليها مفهوم رجع الصدى والّف كتابا يحمل عنوان السيبيرنيتيك (1948)  CYBERNETIQUE  وهي نظرية تهتم (بالانظمة المسيرة ذاتيا وبالاتصال سواء في الآلات او في الحيوان) (انظر  Mucchielli  ص16 وجيهان ص 136).

 

  مصدر                 جهاز                                     جهاز

المعلومات              إرسال                وسيلة             استقبال               الهدف

 

 

             الرسالة                 الإشارة          الإشارة

           الكهربائية      المستقبلة                          

     

 

مصدر تشويش

 

النموذج الرياضي للمعلومات (شانون وويفر 1948)

 

يتكوّن النموذج الرياضي للمعلومات من خمسة عناصر وهي :

1)  مصدر المعلومات الذي يشتمل على كميّة من المعلومات يزوّد بها النظام

2)  جهاز إرسال قادر على تحويل المعلومات إلى إشارات كهربائية ستحمل المعلومات عبر النظام ووضع الكود)

3)  قناة تؤمن تدفّق المعلومات في شكل إشارات كهربائية

4)  جهاز استقبال يقوم بعكس عملية جهاز الإرسال ويعيد الإشارات الكهربائية إلى شكل الرسالة الأصلية (فك الكود)

5)  الهدف وهو الطرف الذي توجّه له المعلومات، ويمكن أن يكون إنسانا أو جهازا.(فرنسيس بال ص17)

نذكر من أهم المفاهيم التي استعارها بعض خبراء الاتصال الاجتماعي من أعمال المهندسين شانون وويفر (النظرية الرياضية للمعلومات) و   وينر (السيبيرنيتيك) :

أ‌)       المعلومة

تعرف المعلومة بأنها نقبض المجهول أو عدم اليقين في الرسالة الذي يعبّر عنه بمصطلح انتروبي Entropie (جيهان ص132). فكلّما مكّن عنصر ما من تحديد المجهول اعتبر معلومة، وهكذا فان المعلومة لا يمكن قياسها ألا في نطاق علاقة ثنائية بين باث وتلق. فالاتصال هو الذي يمكّن المتلقي من الاطلاع على معلومة من بين مجموعة من المعلومات المحتملة. وكلّما كانت نسبة الاحتمال منخفضة كلّما كانت المعلومة دقيقة وثمينة وبالعكس عندما تكون نسبة الاحتمال مرتفعة جدّا تنتفي المعلومة إذ هي تفقد عنصر الجدّة (أي لا تأتي بشيء جديد يضاف إلى ما يعرفه المتلقي إذ هو يستطيع أن يعرف مسبقا ما يقدّمه له الباث). وهكذا يحدد حجم المعلومات وهو أساس الأبحاث التي قام بها المهندسان شانون وويفر بصفة عكسية للاحتمال.

ووحدة قياس المعلومة في المجال الرياضي هي البيت Bit   وهي اصغر معلومة وتمكّن من اختيار إحتمال واحد في مجال يشتمل على احتمالين فقط مثل صحيح - خطأ أو نعم - لا  أو واحد -  صفر، وفي مجال الكهرباء يعبّر عن هذه الوحدة القياسية بوجود إشارة كهربائية أو عدم وجود إشارة كهربائية.

ب)  التشويش

 في مختلف مراحل انتقال المعلومات هناك إمكانية ضياع هذه المعلومات تدهورها وتحريفها قبل وصولها للمتلقي. هناك نسبة من المعلومات قد لا تصل المتلقي وهناك نسبة أخرى تصل في شكل محرّف. وهكذا فان كمية ونوعية المعلومات وهي تخرج من المصدر ليست بالضرورة مطابقة لكمية المعلومات التي تصل فعلا للملقي ويسمى هذا الفارق تشويشا وقد يتسبب فيه الباث أو القناة أو المتلقي.

على الباث أن يراقب بانتظام عملية انتقال المعلومات لرصد أسباب التشويش قصد معالجتها وضمان نوعية جيّدة للمعلومات التي يؤمّما للمتلقي. وكلّما نجحت مصادر التشويش في تحطيم عنصر من عناصر الرسالة كلما نتج من ذلك تقلّص في حجم المعلومات السليمة التي تصل المتلقي وبالتالي تدهور في نوعية الاتصال.

 وفي حالة جهل المتلقي التام للعنصر الذي وقع تشويشه فان هذا الأخير لا يستطيع أن يرمم الرسالة المنقوصة التي وصلته. أما إذا كانت العناصر المشوشة محتملة من قبل المتلقي فان هذا الأخير يستطيع أن يعضّ الأجزاء المشوّشة ويتحصّل على رسالة مطابقة للرسالة التي أرسلها الباث ويقوم طلبة الصّحافة يوميا بهذه التجربة عندما يعالجون البرقيات الصحفية التي تصلهم عبر التلسكربتر قصد إعدادها للنشر).

 ت)  تكرار المعلومات

يساعد تكرار المعلومات المتلقي على تجاوز عقبة التشوش، إذ أن المعلومة الواحدة تتكرّر في نفس الرسالة وقد لا يمس التشويش إلا مرّة أو أكثر هذه المعلومة المتواترة ولكنه لا يحطمها نهائيا، أي في كل الحالات التي توجد فيها.

وينتج عن تكرار نفس المعلومة في الرّسالة الواحدة تحديد في ثرائها وجدّتها مما قد يفقدها قيمتها عند المتلقي. فلتكرار المعلومات اثر إيجابي إذ هو يمكّن من التصدّي للتشويش و اثر سلبي إذ يفقد الرسالة طرافتها وجدّتها.

ث‌)     رجع الصدى (التغذية المرتدّة)

أضاف وينر مفهوم رجع الصدى للدلالة على المعلومات التي تعود للباث من المتلقي أو من مختلف عناصر النظام وتتعلّق هذه المعلومات المرتدّة حول ظروف انتقال الرسالة عبر نظام اتصال معيّن. وعلى الباث أن يستعمل هذه المعلومات المرتدّة (أو رجع الصدى) لمزيد التحكم في عملية الاتصال وإدخال التعديلات الاّ اللاّزمة لضمان اكثر الحظوظ لتدفّق الرّسالة.

 ويعتبر خبراء الاتصال أن استعمال هذا المفهوم يعدّ ثورة في مجال تحليل ظواهر الاتصال وسيقع استعماله بصفة مكثفة في أدبياتهم وهو يبرز إن المتلقي لا يقتصر في الواقع على التلقي ولكنه هو بذاته يتحوّل إلى مصدر إذ يبث بدوره معلومات في اتجاه الباث الذي يصبح في هذه الحالة متلقيا.

4.     متغيرات المكونات الاساسية لعملية الإتصال

تتلخّص العناصر التي افرزها لاسويل لوصف ابسط عمليات الاتصال (من يقول ماذا بأي وسيلة لمن وبأي اثر) النموذج العام للاتصال ولكن كل عنصر من هذه العناصر يمكن أن يكون له أشكال متعدّدة. فالباث يمكن أن يكون فردا مستقلا ويمكن أن يكون مؤسسة عامة أو خاصّة تجمع مائات العاملين من صحافيين ورسامين ومهندسين وفنانين من مختلف الاختصاصات، والرسالة يمكن أن تكون مقالا أو كتابا أو فلما أو مسرحية، والقناة يمكن أن تكون الذّبذبات التي تحمل الصّوت بضعة أمتار من شخص إلى آخر ويمكن أن تكون مؤسسات قدرات تقنية ضخمة مثل إدارات البريد أو الشركات التي تشرف على الأقمار الصناعية، والأثر قد يكون موجودا وقد لا يكون موجودا وقد يكون مباشرا أو غير مباشر، على مدى قصير أو بعيد، مطابقا لانتظارات الباث أو غير مطابق لها.

تتواجد اليوم هذه الأشكال المختلفة التي تأخذها عناصر الاتصال في مختلف المجتمعات البشرية، ولكنّها لم تكن كلّها معروفة منذ القدم من قبل الإنسان، بل وقع اكتشافها وانتشر استعمالها عبر مختلف مراحل مسيرة الحضارة الإنسانية. يتمّ تطوّر أشكال عناصر الاتصال الرئيسية بصفة تراكمية، إذ أن الأشكال الجديدة عندما تنتشر في مجتمع معيّن لا تؤدّي بالضرورة إلى اندثار الأشكال السابقة. فالمجتمعات العصرية التي تمارس الاتصال عن طريق الأقمار الصناعية وتخزن وتسترجع المعلومات عن طريق الحاسب الآلي (الكمبيوتر)، لا تستغني في نفس الوقت عن ممارسة اقدم أشكال الاتصال التي عرفها المجتمع البشري مثل المناقشة والرّقص والموسيقى والكتابة.

وبحكم الممارسة العادية للكلام أو للكتابة أو لغيرها من الأشكال التي تقوم عليها عناصر عملية الاتصال، قد تفقد هذه الأشكال في نظر العامة أهميتها التاريخية، فيجب الاّ ننسى أنها مهما بدت بسيطة وطبيعية، فهي كلّها اكتشافات هامّة حقّقتها المجتمعات البشرية منذ آلاف السنين ولا تقلّ قيمتها على الإنجازات العلمية والتقنية التي تستقطب اهتمام أبناء القرن العشرين. إذا آخذنا على سبيل المثال عنصر الرسالة، أي مجموعة الرموز التي يرسلها المتلقي للباث، فإنه يمكن أن نلاحظ أنها أخذت أشكالا متعددة عبر العصور (الشكل اللفظي ثمّ الشكل المكتوب ثمّ المطبوع) وكذلك تطوّرت أساليب خزنها من الاعتماد على الذاكرة إلى استعمال الأوعية المادية المختلفة (حجز، خشب، جلد، ورق)، إلى الأوعية المغناطيسية (الكاسيت الاسطوانة...).

 يعتبر إنشاء لغة تخاطب تجمع بين قبيلة أو مجموعة من القبائل، مرحلة هامة من مراحل تطوّر الاتصال البشري إذا قورنت بما يسمى بلغات الحيوان وهي تتميّز بعدد محدّد من الأصوات التي تنتج بحكم المكوّنات البيولوجية والفيزيولوجية للحيوان ولا تتطوّر من جيل إلى جيل ولا تختلف من جهة إلى جهة عند الحيوانات التي تنتمي إلى جنس واحد.

 فاللغة وهي مجموعة من الرموز يتّفق على معناها من قبل مجموعة بشرية معيّنة هي إنتاج ثقافي ينمو مع نموّ المجموعة  التي تمارسها.

وقد جابه الإنسان مشكلة خزن المعلومات الشفاهية قبل اكتشاف وانتشار الكتابة، حتى لا تندثر مباشرة بعد إنتاجها أي إمكانية المحافظة على المعلومات بعد انتهاء عملية الاتصال.

 و من أهم الحلول العملية التي أتاحتها للإنسان قدراته الجسدية : حفظ المعلومات عن طريق الذاكرة.

تعتبر الكتابة أي المرور من رموز شفاهية سريعة الاندثار إلى رموز مرسومة على وعاء مادي (الحجر، الورق)، ثورة في عالم الاتصال قد لا ننتبه اليوم إلى أهميتها.

وقد مكّن المكتوب مثلا الذاكرة ولكن بصفة اكثر فاعلية من حفظ المعلومات ومن انتشارها عبر الزمان والمكان. وبينما كانت المعلومات لا تنتقل الاّ بانتقال صاحب الذاكرة (أي منتج الرسالة أو إنسان آخر يؤدّي وظيفة الحفظ) جعل ظهور وانتشار المكتوب المعلومة تنتقل على وعاء مادي ومكّن الناس من الاتصال عن بعد. فعندما أطالع رسالة أو مخطوطا فإني اتّصل بصاحب الرسالة بدون حضور الباث (المصدر).

وبعد قرون من بروز المكتوب برز المطبوع ومكّن إضافة إلى حفظ المعلومات من مضاعفة انتشارها.

 وفي مرحلة متأخرة انتشرت الأوعية المغناطيسية التي تمكّن من خزن مختلف الرسائل (شفوية، مكتوبة، مرسومة...) في شكل إشارات كهربائية تضمن للرسالة انتقالا سريعا (سرعة انتقال الكهرباء، عبر الأسلاك الكهربائية أو بدون أسلاك).

  

أنماط الاتصال البشري

 

1.       تصنيف أنماط الاتصال


.2
       مقارنة أنماط الاتصال

أ‌)       الحواس المستعملة،

ب‌)  إمكانية الحصول على رجع الصدى،

ت‌)  مدى التّحكّم في نسق الاتصال،

ث‌)  أنواع الرموز المستعملة،

ج‌)    طاقة المضاعفة،

ح‌)    طاقة خزن الرّسالة والمحافظة عليها،

خ‌)    طاقة تجاوز الانتقاء

3.       فلسفة ماك لوهان وأنماط الاتصال

4.       الاتصال الجماهيري (أو الجماعي)

أ‌)       حارس البوابة،

ب‌)  السّحب،

ت‌)  التوزيع،

ث‌)  التعرّض لوسائل الاتصال،

ج‌)    الجمهور

5.       وظائف الاتصال

1.       تصنيف أنماط الاتصال

لئن تطوّرت علوم الاتصال في القرن العشرين مع تطوّر وسائل الاتصال الجماهيرية (الصحافة المكتوبة، الإذاعة، التلفزيون) فانّه يجب الاّ ننسى أن المجتمعات البشرية عرفت أشكالا متعدّدة الاتصال وذلك قبل انتشار الاتصال الجماهيري بآلاف السنين. وقد حاول خبراء الاتصال رصد مختلف ظواهر الاتصال البشري قصد تصنيفها. ويقترح بول دتشمان Paul Deutshman  الترتيب التالي :

اتصال خاص                                                     اتصال عام

 

وجه لوجه                اتصال بواسطة                   وجه لوجه          اتصال بواسطة      

(مباشر)                        مكالمة                         (مباشر)

مناقشة بين                    هاتفية                         اجتماع عام

شخصين                                                                          غير جماعي    جماعي

                                                                                             مشاهدة  مشاهدة

                                                                                             التلفزيون        فلم في

        قاعة عرض

         أو مسرحية

قنوات ومسالك الاتصال حسب بول دتشمان

          اتصال خاص                                                  اتصال عام

 

وجه لوجه               اتصال بواسطة                   وجه لوجه          اتصال بواسطة      

(مباشر)                      مكالمة                         (مباشر)

مناقشة بين                   هاتفية                         اجتماع عام

شخصين                                                                         غير جماعي    جماعي

                                                                                             مشاهدة          مشاهدة

                                                                                             التلفزيون        فلم في

        قاعة عرض

         أو مسرحية

قنوات ومسالك الاتصال حسب بول دتشمان

 

  ستعمل الخبراء أيضا المصطلحات التالية

أ‌)       الاتصال الشخصي (حديث بين شخصين أو بين أفراد مجموعة محدودة)

ب‌)  الاتصال الجمعي (الاتصال داخل المجموعات الصغيرة والمتوسّطة : المحاضرة، الاجتماع العام...)

ت‌)  الاتصال الجماعي أو الجماهيري (المجموعات الكبرى على مستوى قطري، جهوي أو دولي : الاتصال عن طريق الجرائد اليومية أو الإذاعة).

2.       مقارنة أنماط الاتصال

يعتمد شرام على مجموعة من المقاييس للمقارنة بين نمط الاتصال المباشر والاتصال بواسطة، ويعتبر أن الملاحظات التي يوردها حول هذا الموضوع والتي سنلخّصها بعد قليل، هي من قبيل المعرفة السّاذجة، أو المستوى الأوّل من مستويات المعرفة. وهي في غياب معرفة أكثر دقّة، صالحة وقتيا و أن كانت ساذجة وبسيطة.

  أ-   الحواس المستعملة :  يملك الإنسان مجموعة من الحواس ذات طبيعية مختلفة تمكّنه من الدخول في علاقة مع المحيط (البصر، السماع، الشمّ...)، وله أيضا طاقة اتصال تكمن في إمكانية إنتاج رموز لفظية (الكلام) وغير لفظية (الحركات) وفي إمكانية خزن المعلومات وتحليلها.

 توظّّف هذه الموارد الإتصالية بصفة كلية أو جزئية في عمليات الاتصال، ويعتبر شرام أن الاتصال المباشر يمكّن الإنسان من توظيف طاقاته الاتصالية بصفة كلية (عندما تكلّم جليسك فأنت تستمع أليه وتبصر إلى حركاته ويمكن أن تلمسه أو أن ترسل له علامات انشراح أو ضيق بمجرّد تحريك تجاعيد الوجه). وكلما وضعت واسطة بين إنسان وآخر الاّ ونتج عن ذلك تحديد في استعمال القدرات الاتصالية للإنسان بصفة متكاملة. فالراديو مثلا والهاتف يعتمدان عن الأذن والمطبوع لا يعتمد إلا على العين والّمس، أمّا التلفزيون والسينما الناطقة فأنها تعتمد في نفس الوقت على العين والأذن

  ويعتبر شرام مبدئيا أنّه كلّما وظّفت أكبر نسبة من الحواس في عملية الاتصال كلّما كانت عملية الاتصال أحسن. ولكنّه لا يعتبر أن هذه الملاحظة نهائية إذ أن التركيز على حاسة واحدة قد يلعب دورا إيجابيا بينما قد يتسبب تنويع موارد الاتصال المستعملة في عملية اتصال واحدة إلى تشتيت اهتمام المتلقي.

 ب-   إمكانية الحصول على رجع الصدى :  توفّر حالات الاتصال وجها لوجه اكثر أنماط الاتصال فرصا لتجاوز الاتصال في اتجاه واحد والدخول بسرعة في تبادل المعلومات بين الجهتين المشتركتين في الاتصال. ويستطيع الباث أن يطّلع بسهولة على الأثر الذي يسجّل لدى المتلقي عند وصول رسالته ويمكنه بالتالي أن يغيّر نوعية وكمية المعلومات المرسلة.

وكلّما زاد عدد المشاركين في عملية الاتصال كلّما صعب على الباث (المحاضر في مدرج الجامعة)، من أن يتحصّل على رجع الصدى إذ لا يستطيع أن يراقب بدقّة نوعية تلقي عشرات الطلبة لمحاضرته.

ويقلّ رجع الصدى كلّما استعملت واسطة تعزل جسديا الباث عن متلقي الرسالة فالاتصال الهاتفي يحدّ كثيرا من رجع الصدى بالمقارنة مع محاضرة مباشرة إذ لا يمكن للباث أن يلاحظ ردود الفعل غير اللفظية (الحركات). وتتّصف وسائل الاتصال الجماهيري مثل الصحف والإذاعة والتلفزيون بمحدودية رجع الصدى الذي توفّره للباث وهذا ما يفسّر الدور الهام الذي تلعبه دراسات الجمهور التي تمكن وسائل الاتصال الجماهيري من تحديد الملامح الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لجمهورها.

 ت-   مدى التحكّم في نسق الاتصال :  نسق الاتصال هو طريقة تدفّق المعلومات من الباث إلى المتلقي. يستطيع المطالع أن يتوقّف وقتيا عن المطالعة (يجمّد تدفّق المعلومات للتّفكير في نقطة ما وردت بالنص، ويمكنه أن يعيد مطالعة فقرة ما أو جملة ما.

يمكّن الاتصال وجها لوجه، المتلقي من طرح سؤال على الباث قصد إعطاء الحديث وجهة معيّنة. أما المستمعون لمحطّة إذاعية أو مشاهدو فلم أو برنامج تلفزيوني، فإنّهم لا يباشرون التحكّم في نسق الاتصال الاّ في حالات محدودة عندما تتوفّر إمكانية تسجيل برنامج تلفزيوني على جهاز آلة تسجيل فيديو، قصد إعادة الاستماع في وقت لاحق.

 ت-   أنواع الرموز المستعملة :  تتكوّن الرّسائل من سلسلة من الرموز ذات دلالة وقد تتكوّن هذه الرموز من حروف تجتمع لتكوّن كلمات تجتمع بدورها لتكوّن جملا  تحمل معاني وهو ما يعبّر عنه بالمستوى اللفظي، ومن رموز غير لفظية مثل الحركات والألوان والنبرات الصوتية وغيرها.

ويمكّن الاتصال الشخصي من استعمال وافر للرموز غير اللفظية التي تمثل حسب شرام (اللّغة الصّامتة للثقافة).

 ج-   طاقة المضاعفة :  يقصد الخبراء المضاعفة إمكانية نشر الرسالة بين اكبر عدد ممكن من المتلقين، وتختلف طاقة المضاعفة حسب أنماط الاتصال. فبينما لا يوفّر الاتصال وجها لوجه الاّ طاقة مضاعفة محدودة (مهما بلغ عدد الحاضرين في اجتماع عام، يبقى هذا العدد محدودا كمّيا)، بينما تتميّز وسائل الاتصال الجماهيري (الجماعي) بطاقة مرتفعة على مضاعفة الرسالة وضمان أوسع مجالات الانتشار لها.

على انه يجب أن نلاحظ انّه سجّلت في ظروف تاريخية معيّنة طاقة مضاعفة مرتفعة للاتصال الشخصي إذ مكّن هذا النمط من انتشار سريع وعلى مساحات جغرافية شاسعة معلومات خطيرة (مثل انتشار خبر مصرع الزعيم الهندي غاندي عبر بلاد الهند). ويمكن أن نلاحظ مثل هذه الطاقة في انتشار بعض الإشاعات عبر قطر كامل من دون أن تمرّ عبر وسائل الاتصال الجماهيري.

 ح-   طاقة خزن الرسالة والمحافظة عليها :  ينتهي الاتصال الشخصي بانتهاء اللقاء الذي يجمع شخصين أو أكثر وقد تسجّل المعلومات المتداولة خلال اللقاء على الورق (محضر جلسة) أو على شريط مغنطيسي (الكاسيت) وبالنسبة إلى التلفزيون لا يمكن للمتلقي الاحتفاظ بالمعلومات الاّ على مستوى الذاكرة أو عندما يتوفّر لديه جهاز تسجيل فيديو.

 ويمكّن المطبوع ومن قبله المكتوب من المحافظة بسهولة على المعلومات على أنّه يجب أن ننبّه أن مثل هذه الخصائص التي تنفرد بها كل تقنية من تقنيات الاتصال لم تعد ذات دلالة كبرى. فشاشة التلفزيون التي كانت مجرّد جهاز الاتصال لم تعد ذات دلالة كبرى. فشاشة التلفزيون التي كانت مجرّد جهاز استقبال أصبحت منذ سنوات تستعمل في العديد من البلدان إضافة إلى دورها التقليدي لالتقاط الصورة والصّوت، للحصول على معلومات مخزونة ببنوك المعلومات وذلك عبر الأسلاك العادية للهاتف.

خ-   طاقة تجاوز الانتقاء :  كلّ ما يرسله الباث لا يقبله المتلقي بصفة آلية اذ ينتقي هذا الأخير بصفة واعية وغير واعية ما يستهلكه وذلك حسب مقاييس اجتماعية وسيكولوجية سنتعرّض إليها في مرحلة لاحقة. ويضع شرام الجدول التالي الذي يحصر فيه الإمكانيات المختلفة المتوفّرة للمتلقي بالقيام بانتقاء معلوماته. والملاحظ أن الباث يسعى عادة إلى التقليل من الانتقاء الذي يسلّطه المتلقي على الرسالة، إذ أن انتقاء التلقي هو في الواقع عقبة في وجه الباث.

يجب اعتبار هذا الجدول في اتجاهاته العامة، إذ يمكن أن نجد حالات تخالف ما يقرّه هذا الجدول. على سبيل المثال وبصفة معاكسة لما هو موجود بالجدول، يمكن لشخص ما أن ينشغل ذهنيا بموضوع بعيد عن الموضوع الذي يثيره جليسه (إذ كان الحديث مملاّ مثلا) وإذا ما انخفض انتباه الجمهور خلال الاستماع إلى برنامج إذاعي أو تلفزيوني، يمكن أن يرفع من جديد هذا الانتباه إذا ما بثّت المحطّة خبرا هاما أو أدخل عنصر مشوق أو محبّذ من قبل الجمهور أو فاصل موسيقي).

 

نمط الاتصال                        انتقاء سهل               انتقاء صعب

 

قناة تلفزيونية                        تغيير القناة               تجنّب الإشهار التلفزيوني                                      غلق الجهاز              اصعب من تجنّب الإشهار                                            الدخول في حديث        الوارد في صفحات      

                                       مع جليس أثناء           الجريدة

                                       المشاهدة

 

وجه لوجه                                                        الالتزام بآداب العامة

                                                                   يمنع عادة الناس

                                                                   من إدارة الوجه

                                                                   للجليس أو للمحدّث

 

مجموعة حوار                                                  كلّما قلّ عدد المشاركين

صغيرة                                                           ترتفع درجة الانتباه المطلوبة

 

مجموعة كبيرة                     تتطلّب من كل فرد

                                       درجة انتباه محدودة

 

الراديو                               تغيير المحطّة

 

فلم                                                                 مهادرة قاعة العرض ممكنة

                                                                   ولكن اقلّ سهولة من تغيير

محطّة الإذاعة أو قناة التلفزيون

 

  المطبوع                            التوقّف عن المطالعة

                                       تجنّب المطالعة تجنّب

                                       الإشهار الوارد بالصحيفة أسهل

                                               من تجنّب الإشهار التلفزيوني

 

 جدول إمكانيات الانتقاء المتوفّرة للمتلقي المصدر، شرام، ذكر سابقا، ص108

3.       فلسفة ماك لوهان وأنماط الاتصال

ماك لوهان مفكّر كندي اشتغل بالنقد الأدبي وطوّر مجموعة من النظريات والأفكار حول العلاقة التي تربط الإنسان بوسائل وأنماط الاتصال. واستطاع هذا المفكّر أن يصبح في نهاية السّتينات نجما علميا وإعلاميا وحظيت أفكاره باهتمام كبير في أوساط الصحافة ومعاهد الإعلام. الاّ أن هذه الشهرة تقلّصت مع نهاية السبعينات وأصبحت كتب الإعلام تعالج ماك لوهان كمرحلة من المراحل التي مرّ بها الفكر الإنساني حول قضايا الاتصال. ما هي أهم الأفكار التي تناولها ماك لوهان؟

أ-   يمتلك الإنسان المكوّنات الأساسية والبدائية للاتصال. وقد استعمل الإنسان إضافة إلى قدراته العقلية والجسدية تقنيات مختلفة قد تكون بسيطة أو معقّدة فأعطت بعدا زمنيا أو مكانيا أكبر لحركاته ولصوته ولمختلف الرموز التي يمكن للإنسان أن ينتجها.

مثلما صنع الإنسان الآلة كتكملة لليد البشرية صنع مجموعة من وسائل الاتصال كتكملة لجسمه. وقبل صنع الإنسان لمضخّمات الصوت كانت حدود انتقال الصّوت هي حدود مقدرته على إنتاج هذا الصّوت (قوّة الحنجرة، طاقة خزن الهواء بالرئة...) ويمكن أن نقول نفس الشيء بالنسبة إلى الحدود البصرية التي تفرضها حدود العين البشرية.

ب-   تؤثّر وسال الاتصال المستعملة في مجتمع معيّن على البنية الفكرية الأساسية للإنسان. فالتعامل مع الصحيفة وهي الوعاء الذي تصطفّ فيه بصفة متتابعة الأحرف والكلمات والجمل، ينمّي لدى الإنسان منطقا معيّنا يعتمد على تجزئة الواقع إلى وحدات متتابعة يربط بينها تسلسل منطقي وتتّسم بالتجريد. وينتج عن هذا التعامل المستمر مع المطبوع إعطاء العين كمصدر للمعلومات دورا أساسيا على حساب الحواس الأخرى التي يملكها الإنسان.

ويعتبر ماك لوهان أن المطبوع يساهم في تفكيك الروابط القبلية والعلاقات التي ينسجها الإنسان على مستوى المجموعات الأولية (الصغيرة)، إذ أن الفرد قبل المطبوع كان يلتجئ عندما يحتاج إلى المعلومات إلى أشخاص يحظون بالاحترام في الوسط القبلي نظرا لما يختزنونه من معلومات تحت تصرّف أعضاء القبيلة (شيوخ القبيلة). أمّا مع ظهور المطبوع فقد فقدت هذه المصادر البشرية، سلطتها المعنويّة نتيجة منافسة الوثائق المكتوبة التي أصبحت سهلة الانتشار. وقد سهّل هذا التفكّك على المستوى القبلي ميلاد المجموعات الكبرى وانتشرت ظاهرة الانتماءات الوطنية الواسعة وعوّضت القبيلة والقرية بالأمة.

ت-   يضع ماك لوهان مقابلة بين قوّة التجريد (التي تنتج عن التعامل مع المكتوب والمطبوع) وقوّة التخيّل. ويفرّق بين وسائل اتصال سخنة  Hot  وهي وسائل تركّز على عدد محدود من حواس الإنسان ووسائل اتّصال باردة  Cool  وهي التي تتوجّه بأكثر اتزانا إلى حواس الإنسان أي أن الإنسان يستعمل مجموعة من الحواس للتعامل معها ولا يقتصر على حاسة واحدة. ويعتبر ماك لوهان حسب هذا التصنيف أن المطبوع  والراديو وسائل سخنة إذ يقتصر الإنسان في التعامل مع المطبوع على العين وفي التعامل مع الراديو على الأذن، ويعتبر أن التلفزيون وسيلة باردة (استعمال العين والأذن في نفس الوقت).

ث-   ومن مقولات ماك لوهان الشهيرة التي كثيرا ما تذكرها كتب الإعلام المدرسية : 

(الوسيلة هي الرسالة) « the meduim is the message »  وهو عنوان كتاب نشره سنة 1967 بالاشتراك مع مؤلّف آخر. ويعني المؤلّفان بذلك أن نمط الاتصال في حدّ ذاته يؤثّر على المتلقي وذلك بقطع النظر عن محتوى الرسالة (المعاني والمعلومات). ولتبسيط هذه المقولة يمكن أن نقول أن ما يستهلكه الإنسان لا يتكوّن من الرموز التي تشتمل عليها الرسالة فقط ولكن من المعنى المضاف الذي يعطيه نمط الاتصال المعتمد. ويمكن أن نربط هذه الفكرة بقضية الشكل والمحتوى في الدراسات الأدبية، إذ ابرز النقد الأدبي المعاصر أن محتوى رواية ما لا يقتصر على القصّة ومختلف مكوّناتها ولكن الشّكل الأدبي في حدّ ذاته يحمل محتوى (أو دلالة) قد يكمّل القصّة وقد يكون ذا دلالة أعمق.

4.       الاتصال الجماهيري (أو الجماعي)

يعتبر الاتصال الجماهيري مرحلة متطوّرة من مراحل نموّ أنماط الاتصال التي يمارسها الإنسان وهي ظاهرة وليدة الثورة الصناعية التي مكّنت من تطوير الطباعة ووفّرت وسائل سريعة لجمع ونقل وتوزيع وحفظ كمّيات ضخمة من المعلومات (الهاتف، التلغراف، التلكس، البث الإذاعي والتلفزيوني، الأقمار الصناعية، آلات التسجيل الكهربائية المختلفة : تسجيل الصّوت والصّورة...) وزامنت الاكتشافات التقنية تطوّرات هامة على مستوى المؤسسات المختصّة في جمع وتوزيع المعلومات في المجتمع.

ويمكن أن نعرّف الاتصال الجماهيري بأنّه نمط اتّصال يعتمد في القيام بمختلف عمليات جمع وحفظ وتوزيع ومعالجة المعلومات على تقنيات الاتصال العصرية التي تمكّن جهة ذات عدد محدود نسبيا بالاتصال بجهة أخرى مرتفعة العدد قد تصل إلى ملايين الأشخاص وتضمن بالتالي للرسالة حدّا أقصى من المضاعفة.

يقارن بعض الخبراء نمط الاتصال الجماهيري بنمط الاتصال الشخصي ويقدّمون الملاحظات التالية :

أ) تعترض الباث، في نمط الاتصال الجماهيري، صعوبة أكبر في تكييف الرسالة حسب المتلقي إذ يصعب تشخيص المتلقي وتحديد خاصياته الدّيموغرافية والاجتماعية و الاقتصادية.

ب) توظّف في عملية الاتصال الجماهيري طرق ذات فاعلية محدودة لجمع علامات رجع الصدى التي تصدر عن المتلقي أثناء أو بعده. أما الاتصال الشّخصي (الثنائي باث متلقي)، فهو يمكّن الباث من الحصول على رجع الصدى بأكثر نجاعة.

 ت) ضمان انتباه المتقبّل اصعب بكثير في عملية الاتصال الجماهيري، إذ تلعب مستويات الانتقاء الثلاثة (الانتباه الانتقائي، الفهم الانتقائي، التذكّر الانتقائي) دورا اكثر فاعلية ويترجم ذلك على مستوى السلوك اليومي بتغيير قناة التلفزيون، أو الدخول في حوار مع جليس خلال فترة المشاهدة أو القيام أمام الشاشة بأي نشاط منافس لعملية الاتصال مثل الأكل أو لعب الورق أو حتى المطالعة. ولا يعني هذا أن مثل هذا السلوك غير ممكن في الاتصال الشخصي ولكنّه أقلّ حدّة إذ كثيرا ما تلزم الآداب العامة الجليس بالانتباه ولو ظاهريا إلى محدّثه.

 ث) تتميّز عمليات الاتصال بدرجة من التعقّد قد لا يتّصف بها الاتصال الشخصي. فلكلّ رسالة يقع بثّها في نطاق الاتصال الجماهيري (مثل المقال الصّحفي) عدد مرتفع من المصادر وقد يكون لكل مصدر أهداف متنوّعة، وتكون القناة نظاما معقّدا مثل الجريدة أو المؤسسة الإذاعية التي يعمل بها العديد من الموظّفين يشاركون بدرجة أو بأخرى في إنتاج الرّسالة. وكل مقال هو في الواقع إنتاج جماعي حتى وان كان لا يظهر عادة إلاّ شخصا واحدا في آخر حلقة من حلقات الإنتاج (المذيع أو الصحافي الذي أمضى المقال).

ح) تتجه وسائل الاتصال الجماهيري إلى الجماعات الكبرى وتمكّن الباث من نشر الرسالة الواحدة بسرعة وعلى مساحات شاسعة. وهي عاجزة على التكيّف مع الأشخاص الذين يكوّنون الجماعة الكبرى.

تأخذ وسائل الاتصال الجماهيري عادة شكل مؤسسات اقتصادية وأيديولوجية تنشط داخل مجتمع معيّن يؤثّر فيها ويتأثر بها. يقترح شرام نموذجا عاما يدرج فيه مختلف العناصر المكوّنة لوسائل الاتصال الجماهيري وتمثّل هذه العناصر إلى المتغيّرات الاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن إهمالها إذا أردنا الوصول إدراك أعمق لعلاقة وسائل الاتصال بالمجتمع الذي تنمو فيه هذه الوسائل.

تستعمل الأدبيات المخصّصة لوسائل الاتصال الجماهيري، جملة من المفاهيم سنتعرّض إليها بسرعة فيما يلي :

أ‌)       حارس البوابة

لا تنشر وسائل الاتصال الجماهيري كل ما تجمعه من معلومات. والفارق الكمّي والنّوعي بين ما يصل فعلا الى وسائل الاتصال وإلى ما تقرّر هذه الأخيرة نشره، كبير يصل الى عشرات الآلاف من الكلمات بالنسبة الى المكتوب وبما يماثلها بالنسبة الى السمعي البصري. ويؤدي هذا الوضع بالضرورة الى الاننتقاء الذي لا يتمّ بصفة عفوية ولكن حسب مقاييس قد تكون جلية أو ضمنية. ويعبّر أهل الاختصاص عن الانتقاء في مختلف أوجهه بمصطلح حارس البوابة.

للانتقاء بعد كمّي تحدّده المساحة التي تتيحها الجريدة أو البرامج الإذاعي والتلفزيوني (عدد الصفحات في الجريدة، الوقت المخصّص للبرنامج) وبعد نوعي تكون مقاييسه انتظارات الجمهور وقيمه والمناخ السياسي العام المحيط بوسائل الاتصال والأهداف العامّة التي ترسمها المؤسسة لنفسها.

تتكوّن عمليّة الانتقاء من سلسلة من العمليات المتتابعة التي تواكب مختلف مراحل جمع ومعالجة ونشر المعلومات. فالمخبر الصّحفي ينتقي المعطيات الأولى لمقاله مهما كان هذا المقال بسيطا، اذ هو يقرّر الإعتماد على معلومات دون أخرى والمحرّر الصّحفي ينتقي البرقيات أو أجزاء من البرقيات التي تصله عبر جهاز التلسكربتر ويهمل العديد من الأخبار  الأخرى. كذلك في كلّ حلقات الإنتاج الإعلامي يلعب المهنيون سواء على مستوى قاعدي أو على مستوى عال من المسؤولية دورا يختلف حجمه في اداء وظيفة حارس البوابة. وتكبر عادة وظيفة حارس البوابة بصفة موازية لسلّم المسؤوليات في المؤسسة التي قد يقتصر بها دور بعض المسؤولين الصحافيين على برمجة نشاط الصحافيين الذين يتبعون مصلحتهم وقراءة ما كتب قصد تقرير ما إذا كانت المادّة صالحة للنشر أو لا.

ويفرض في بعض الحالات الخاصّة على الجريدة عرض كل ما ستنشره على رقيب سياسي قد يكون داخل المؤسسة أو خارجها ولهذا الرقيب حقّ رفض بعض المقالات.

 ويعبّر عادة عن مختلف هذه الأشكال من الإنتقاء بالرقابة (منهم من يقترح كلمة الصّنصرة). وعندما لا تكون الرقابة مفروضة بصفة جلية من قبل سلطة ما داخل أو خارج المؤسسة يستعمل في الأوساط المهنية عبارة الرّقابة الذاتية وهي نوع من القيود التي يقبلها المهني بصفة واعية أو غير واعية (بحكم العادة أو القيم السائدة).

 وتستعمل في نفس السياق كلفة المصفاة للدلالة على شبكة المقاييس العلنية والضّمنية التي تخضع لها المادّة الإعلامية قبل أن يأخذ قرار نشرها للعموم أو إهمالها.

يرجع شرام ممارسة وظيفية حارس البوابة إلى مقاييس سياسية عامة ومقاييس مهنية :

ومقاييس سياسية عامّة :

 1)  تجنّب الدخول في تناقض مع القوانين الجارية المفعول في المجتمع والتي تنظّم عمل المؤسسات الصّحفية

 2)  خدمة الأهداف التي يرسمها مالكو المؤسسات :  ملكية عامّة (مساندة السّلطة)، ملكية خاصّة (مساندة الحزب أو المجموعة الفكرية والسياسية التي تموّل المؤسسّة، توفير الرّبح إذا كان الهدف الأساسي من بعث الجريدة اقتصاد، الدّفاع على تصوّر معيّن للعلاقات الاجتماعية في اتجاه مصالح المموّلين...)

3)  الانسجام مع القيم السائدة في المجتمع سواء كانت قيم المنتجين (مختلف أصناف الصحافيين، وغيرهم من أهل الخبراء الذين ينتجون الرّسالة)، أو قيم الجمهور والقوى المنظّمة داخل الجمهور والتي يمكنها أن تضغط بشكل أو بآخر على وسائل الاتصال.

 مقاييس مهنية :

 1)  ضغوط المساحة أو الحيز الزمني للبرنامج.

2) القوانين والعادات المهنية التي يختار على ضوئها المهنيون محتوى مادّتهم الإعلامية.

3) الضغوط التي يفرضها وقت الإنتاج ممّا يؤدّي بالصحافي إلى إهمال العديد من المعطيات أو عدم التّعمّق في المسائل المطروحة. وقد طوّرت المهنة على المستوى الشّكلي مجموعة من القواعد والتقاليد التحريرية تعتبر الحدّ الأدنى الذي يجب أن يلتزم بأداته الصّحافي مهما كان ثقل المعطى الزمني.

ب‌)   السّحب

هو عدد النّسخ المنتجة بالنسبة الى النّشرة الواحدة. ويعتمد عادة بالنسبة الى وسائل الاتصال المكتوبة معدّل النسخ لمجموعة من النشرات. فعندما نقول أن جريدة يومية ما تسحب 30.000 نسخة، نعني أن المطبعة تنتج معدّل 30.000 نسخة من هذه الجريدة، وقد يفوق أو يقل السّحب حسب أيام الأسبوع.

 ويقابل السّحب بالنسبة لوسائل الاتصال الالكترونية (الإذاعة والتلفزيون) احصاء عدد المرات التي يقع فيها فتح الجهاز أو غلقه وذلك بواسطة جهاز خاص يوضع مع التلفزيون أو المذياع ومعروف في امريكا الشمالية باسم جهاز نيلسن.

وقد استعمل هذا الجهاز أساسا في أمريكا الشمالية في نطاق تحقيقات حول استعمال الراديو والتلفزيون من قبل الجمهور. وإذ يمكّن هذا الجهاز من الحصول على فترات الاستماع فهو لا يعطي فكرة عن عدد المستمعين أو المشاهدين ولا عن صفاتهم الاجتماعية.

ت‌)   التوزيع

هو عدد النّسخ التي تصل الجمهور عن طريق البيع بالإشتراك أو بالنسخة (وهو ما بعبّر عنه بالمبيعات) وعن طريق التوزيع المجاني الذي تلتجئ اليه العديد من الجرائد في مختلف دول العالم لأسباب سياسية واقتصادية. وتتمثّل الأسباب السياسية في ضمان انتشار ايديولوجيا معيّنة أو مواقف سياسية حتّى وأن أدى ذلك إلى اهداء الّنسخ التي قد لا يريد الجمهور شراءها ولكنّه قد يتصفّحها أو يطالعها لو تتوفّر لديه مجانا.

أما الأسباب الإقتصادية فتتمثّل أساسا في ضمان انتشار أوسع للجريدة قصد الحصول على الأشهار من المعلنين. يقال عادة أن الجريدة تباع مرّتين، مرّة للمعلن الذي يكتري مساحة معيّنة من الجريدة ينشر بها اعلاناته ومرّة أخرى للقارئ وفي بعض الأحيان تباع كلّها للمعلن وقد لا تحتاج لأموال الجمهور فتوزّع مجانا كلّ النّسخ المسحوبة وهي ظاهرة منتشرة في البلدان المصنّعة ذات الإقتصاد الليبرالي حيث يلعب الإعلان وظيفة إقتصادية رئيسية ويضمن بالتالي للمؤسسات الإعلامية مداخل هامّة.

 يضبط حجم التوزيع انطلاقا من تصريحات الجرائد ذاتها. وتوجد في بعض البلدان مؤسسات مهنية تجمع بين ارباب الصّحف والمعلنين للتّثّبت من توزيع مختلف الجرائد، قصد تجنّب تضخيم المبيعات أو التّوزيع من قبل كلّ جريدة (مثل هذه المؤسسة غير موجودة في تونس).

ولا تتعامل بعض الجرائد مع الإعلان الاّ بصفة هامشية. وترفض بعض الجرائد الأخرى وعددها قليل، قبول الإعلانات لأسباب ايديولوجية.

ث‌)   التعرّض لوسائل الاتصال

تبثّ وسائل الاتصال الجماهيري في اتجاه شرائح واسعة من الناس، ولكن يقى دائما السؤال التالي مطروحا بالحاح : هل وقع فعلا تقبّل الرّسالة أم لا؟ هل فتح الجهاز في الوقت المحدّد للإستماع لنشرة الأنباء؟ هل قرأت الإفتتاحية؟ يحدّد عادة التعرّض لوسائل الاتصال الجماهيري عن طريق تحقيقات احصائية تتمّ بعد وقوع عملية الاتصال، أي بعد المشاهدة أو المطالعة أو الإستماع. وتكون الأسئلة الموجّهة عادة اثناء هذه التحقيقات : هل شاهدتم التلفزيون خلال الأسبوع الماضي (أو هل شاهدتم حصّة الإرشاد الفلاحي)، ويعتمد الفرد للإجابة على الذاكرة. وهكذا فإن هذه التحقيقات تقيس في الحقيقة طاقة الفرد على تذكّر ما شاهده وقد لا يمكّن التّذكّر من تحديد السلوك الحقيقي للمستوجب.

 ويقوم بعض الخبراء بتخقيقات خلال فترة تعرّض الجمهور للإتّصال وذلك بان يتّصل الخبير هاتفيا بعينة من الناس اثناء فترة بثّ برنامج معيّن (هل تشاهد الآن حصّة الإرشاد الفلاحي التي تبثّها القناة الأولى).

 ويستعمل الخبراء مفهوم ميزانية الوقت للدلالة على الوقت الذي يخصّصة الفرد يوميا لمشاهده التلفزيون أو لمطالعة الجريدة. ويقارن هذا الوقت المخصص للاتّصال الجماهيري بميزانية الوقت العامّة للفرد أي الوقت الذي يخصّصه يوميا للعمل وللتنقّل والأكل والنّوم ووقت الفراغ. وعادة ما يحتسب الوقت المخصّص للاتصال الجماهيري داخل وقت الفراغ. ومن بين النتائج العملية لمثل هذه الدّراسات تحقيق انسجام اكبر بين مواعيد بث البرامج والنشاطات اليومية الغالبة لاوسع فئات الجمهور. فلا يمكن ان تبث برامج اطفال في فترات يوجد بها الأطفال بالمدرسة ولا التوجّه للعمّال عن طريق برامج تبث خلال أوقات عمل المصانع. وقد ابرزت مثل هذه الدّراسات اختلف نسب ميزانية الوقت المخصّصة لمختلف وسائل الاتصال حسب المجتمعات وحسب الفئات الإجتماعية والمهنية داخل المجتمع الواحد.

ويهتمّ الخبراء ايضا بنوعية التعرّض لوسائل الاتصال الجماهيري، كأن تضبط هل أنّ مشاهدة التلفزيون مشاهدة فردية أو جماعية (على مستوى الأسرة، المقهى، النادي...). كذلك بالنسبة الى المطالعة هل هي فردية أو جماعية، كم هو عدد المطالعين للنّسخة الواحدة، أين يطالع الجمهور : بالبيت، أثناء العمل، بعد العودة من العمل، أثناء التّنقّل عبر وسائل النقل العمومي، بالمكتبة العمومية...).

وتحاول دراسات الجمهور تحديد هل انّ المطالعة أو المشاهدة منتظمة أو غير منتظمة أو ظرفية (كل يوم، مرّتين في الأسبوع...).

ج‌)    الجمهور

يتكوّن الجمهور من كلّ فرد يطالع ولو بصفة سطحيّة وغير منتظمة الجريدة. ولا يتكوّن الجمهور من كلّ فرد يشتري الجريدة (عن طريق الإشتراك أو بالنسخة) لأنّه يلاحظ عادة أن النسخة الواحدة يطالعها أكثر من فرد. ويهتمّ الخبراء عن طريق تحقيقات اجتماعية معقّدة، بتحديد معدّل القرّاء لكلّ نسخة. ويختلف هذا المعدّل باختلاف المجتمعات والفئات الإجتماعية داخل المجتمع الواحد. ويعتبر في الدّول الغربية انّ كلّ نسخة تقرأ بمعدّل شخصين. وفي تونس يقترح مصطفى المصمودي في كتابه اقتصاد الإعلام في تونس، بصفة تقريبية خمسة قرّاء للنسخة الواحدة.

فإذا أردنا أن نعرف بصفة تقريبية جمهور جريدة ما علينا أن نضاعف عدد النسخ الموزّعة بمعدّل القراء للنسخة الواحدة في المجتمع المعني. والأفضل اعتماد طرق قياس أكثر دقّة (تحقيقات إحصائية اجتماعية).

 وبالنسبة إلى الإذاعة والتلفزيون يتكوّن الجمهور من كلّ فرد يشاهد أو يستمع بصفة منتظمة أو غير منتظمة البرامج التلفزيونية أو الإذاعية التي تبثّ عبر قناة محدّدة أو محطّة إذاعية معيّنة. ومن المعلوم أن الجهاز التلفزيوني أو الإذاعي الواحد يمكن أن يشاهد أو يسمع من قبل أكثر من شخص واحد. لذا لا يعتمد في تحديد الجمهور لا على عدد المرّات التي وقع فيها استعمال الجهاز حسب قياس نيلسن ولا على عدد الأجهزة المتوفّرة في مجتمع معيّن. بل تعتمد للوصول إلى هذا الهدف التحقيقات الاجتماعية والإحصائية.

شهدت مثل هذه الدراسات التي يمكن أن تقوم بها المؤسسة ذاتها أو أن تكلّف بذلك مكتب دراسات، انتشارا واسعا في المجتمعات ذات الاقتصاد الليبرالي لأسباب اقتصادية تتمثّل أساسا في جلب الإشهار. فالمؤسسات الإعلامية تريد من ناحية ان تبرهن للمعنيين على اتّساع جمهورها وتكشف من ناحية أخرى العادات الاستهلاكية وقدراته المالية قصد جلب اهتمام صناعات معيّنة. ولكن لا يجب أن ننسى أن هذه الدّراسات مكّنت وسائل الاتصال من التعرّض بأكثر دقّة على مرامي الجمهور ومطامحه واهتماماته الاجتماعية والمهنية ممّا يمكّنها من التكيّف أكثر مع جمهورها. ويولي أهل الاختصاص أهمّية كبرى لمجموعة من المتغيّرات مثل العمر. المستوى التعليمي، المستوى الاجتماعي، المهنية، الجنس، مكان الإقامة (وسط حضري وسط ريفي)، ومتغيّرات أخرى تختلف أهمّيتها حسب البلدان (الانتماء الجغرافي أو القبلي، الانتماء العرقي، الانتماء السياسي، الدّيني...).

 سادت في مرحلة من مراحل أدبيات الاتصال فكرة تقدّم الجمهور على أنّه وحدة متماسكة وتحدّث البعض عن الجمهور الوسط وهو صورة مجرّدة متكوّنة من شبكة المتغيّرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية المذكورة سابقا. وقد بيّنت العديد من الدّراسات أن الجمهور ينقسم في الحقيقة إلى العديد من الجماهير التي تملك خاصّيات مميّزة (جمهور الفلاحين، جمهور الأطفال، جمهور ربّات البيوت، جمهور العمّال، جمهور المثقّفين...). ويعتبر بعض الخبراء انّه يجب ألاّ نحدّد بصفة قطعية جمهور وسيلة اتصال واحدة كان نقول جمهور الإذاعة أو جمهور الجرائد اليومية ولكن يجب أن ننتبه إلى أن حدود هذه الجماهير المختلفة غير موجودة في الواقع إذ أن الجمهور الواحد هو في الحقيقة جمهور التلفزيون وجزء هامّ منه هو أيضا جمهور الإذاعة وقد يكون جزء آخر جمهورا للجرائد اليومية والأسبوعية.  وهكذا فإن الجمهور الواحد أو على الأقل أجزاء واسعة منه، تتعرّض إلى عدّة وسائل اتّصال في نفس الوقت وقد تكون هذه الوسائل المختلفة متنافسة سواء كان هذا التنافس عن قصد أو عن غير قصد. فالوقت الذي يخصّصه الفرد للمطالعة قد يكون على حساب مشاهدة التلفزيون والوقت الذي يخصّص للتلفزيون قد يكون على حساب السنما.

ويمكن أن نلخّص أهمّ أهداف الجمهور بهذه الجملة التي صاغها فرانسيس بال في كتابه وسائل الاتصال والمجتمع، على منوال مقولة لاسويل الشهيرة  (من يطالع أو يسمع أو يشاهد ماذا، خلال أي فترة من الزّمن وباي طريقة).

5.       وظائف الاتصال

 

يلخّص شرام في الجدول التالي أهمّ الوظائف التي تحدّدها الأدبيات المختصّة للاتصال في المجتمع :

أ)  وظيفة الرّادار الاجتماعي

يحتاج الفرد والجماعات والمؤسسات داخل المجتمع الواحد إلى مراقبة مستمرّة للمحيط المادي والبشري الذي تنتمي إليه. وهذه المعلومات هي الحد الأدنى الذي يحتاجه الفرد أو المؤسسة من المعلومات لضمان اندماجهم في المجتمع. وكلّما تعقّد دور الفرد أو المؤسسة في المجتمع كلّما كثرت المعلومات التي تحتاجها لضمان هذه المراقبة، وهناك من بعبّر عن هذه الوظيفة بالوظيفة الإعلامية.

ب)  الإدارة

يمكّن الاتصال من الرّبط بين أجزاء المجتمع المختلفة ويلعب دور الجهاز العصبي الذي يضمن تسيير المجتمع واشتراك الأفراد والجماعات والمؤسسات في أعمال جماعية ذات صبغة ثقافية أو اقتصادية أو سياسية، وهكذا يجعل الاتصال من الأفراد والجماعات أجهزة فاعلية تستجيب لإدارة مشتركة قصد تحقيق مهام محدّدة. ويجب أن نفهم مصطلح الإدارة في مفهومه الشامل أي إدارة المجتمع وتسييره في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وليس في استعمالها المختصّ الرّائج في تونس أي بمفهوم الإدارة العمومية.

 ت)  التكوين

يمكّن الاتصال من نقل رصيد المعارف والمهارات، من جيل إلي جيل سواء كان ذلك على مستوى الأسرة أو على مستوى المؤسسات المدرسية، ويعبّر عادة عن هذه الوظيفة بمصطلح التّكوين الاجتماعي.

 ث)  الترفيه

يعتبر الخبراء إن الترفيه هو الوظيفة الغالبة للاتصال وخاصة وسائل الاتصال الجماهيري وذلك إذا اعتبرنا الاستجوابات المختلفة للجمهور وخاصة جمهور الإذاعة والتلفزيون وبدرجة أقل جمهور الصّحافة المكتوبة. إذا حلّلنا برنامج بث محطّة إذاعية أو تلفزيونية، نجد أن المادة الترفيهية التي تتمثّل فيما يسمى عادة بالإنتاج الخيالي Fiction مثل المسلسلات والمسرحيات والأفلام والمنوّعات الغنائية ...   تحتلّ حيزا هاما من الوقت وتحظى بأكبر نسبة من نسب الاستماع أو المشاهدة.

 

الوظيفة                المجتمعات الشفوية               مجتمع الاتصال العصري

الرّادار الاجتماعي    العلاقات الشخصية، العيون     العلاقات الشخصية

                         البراح، المسافرون،              أخبار وسائل الاتصال

                         الاجتماعات، الأسواق

 

الإدارة                  القادة

                         التأثير

                         الشخصي،

القادة                               التأثير الشخصي، القادة المؤسسات الحكومية

القوانين

جرائد الرأي

 

التكوين                التكوين الأسري                            التكوين الاجتماعي المبكر

                         الإقتداء بالمثال                    في الأسرة،

الحسن، التدريب                            النظام المدرسي،

 وسائل الاتصال التربوية

 

الترفيه                 المغنون المتنقلون

                         الرّاقصون، العرّافون

                         السمر،                             الفنون الإبداعية

                                                               وسائل الاتصال المختصّة

 في التّرفيه.

وظائف وسائل الإتصال

 المصدر، شرام، ذكر سابقا، ص32.

          يمكن أن نقدّم الملاحظات التالية حول وظائف الإتصال :

 
أ)  ينطلق الخبراء الذين ساهموا في بلورة وظائف الإتصال عادة من مجتمع معين ويحاولون إنطلاقا من الإستعمالات التي يقوم بها هذا المجتمع للإتصال وضع بعض الإستنتاجات العامة، وهذا لا يعني بالضرورة أن دراسة الإتصال في مجتمع مغاير قد تؤدّي إلى نفس الوظائف.

 ب)  إن الوظائف المعروضة سابقا تتمثّل في أصناف عامة رئيسية حاولت أن تدمج مختلف الأصناف التي اقترحها الدّراسات التي تناولت هذا الموضوع. لذلك يمكن أن يجد الطالب أثناء مطالعته وظائف أخرى أكثر دقّة (وظائف خاصّة بوسيلة من وسائل الإتصال أو نمط من أنماط الإتصال).

 ت)  تؤدّي وسائل الاتصال مختلف هذه الوظائف بصفة متشابكة. فالبرنامج التّرفيهي قد يؤدّي في نفس الوقت وظيفة تكوينية. لذلك يميل الخبراء الى موقف أكثر حذر يتمثّل في الحديث عن الوظيفة الغالبة، أي الأكثر أهميّة.

 ث)  لا يجب الخلط بين الوظيفة والهدف، إذ تحدّد الوظيفة إنطلاقا من نوعية التعامل الفعلي التي تقع بين المتلقي والرّسالة. فكم من برنامج يريد له منتجه أن يكون تكوينيا ولكنّه في الواقع أي حسب استعمال الناس لا يحقق هذا الهدف.

المـــــــــراجــــــــــــــــــــــــــع

 v                د. بدر (احمد)، الإتصال بالجماهير بين الإعلام والدعاية والتنمية، الكويت وكالة المطبوعات 1976، 511 ص،

v                د. جهان احمد رشتي، الأسس العلمية لنظريات الاعلام، القاهرة، دار الفكر العربي، 1977، ص670.

v                د. ابراهيم امام، الإعلام والإتصال بالجماهير، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1971،

v                د. محمد عوده، أساليب الاتصال والتغيير الاجتماعي، القاهرة، دار المعارف، 1971،

 

-----------------------------

 

v  Balle (Francis), Medis et sociète, Paris, Editions Montchrestien,

v  1980, 750p.

v  Balle (Francis),

v  Jean G. Padioleau, Sociologie de l’information, Textes Fondamentaux, Paris, Larousse Université, 1973, 372p.

v  Escarpit Robert, Theorie Générale de l’Information et de la Communication, Paris, Hachette Université, Langue, Linguistique, Communication, 1976, 218p.

v  Silbermann Alphons, Communication de masse, elements de Sociologie empirique, Paris, Hachette Université, 1981, 126p (traduit de l’allemand par Michel Perrot).

v  Mousseau Jaques, (et autres), les communications de masse, Paris, Hachette, les sciences de l’action, 1972, 507p.

v  Abraham Moles, (et autres) la communication, les dictionnaiires du savoir moderne, centre d’étude et de promotion de la lecture, Paris, 1971, 574p.

v  Wibur Schramm, William E. Porter, Men Women mesages and medias, understanding human communication, new york, harper&row publishers, second edition, 1982, 278p.

v  Werner J. Severin, James Tankard, uses, new york, hastings house, Publishers, humanistic studies in the communisation Arts, 1979, 286p.

   انظر رضا مثناني، التواصل في الحضارات الشفاهية، المجلّة التونسية لعلوم الاتصال، عدد 5، جانفي-جوان 1984، ص 33-52.

يعتمد المؤلّف في مقاله تصنيف أنماط الاتصال حسب التقنيات المستعملة فيفرّق بين الاتصال الأصلي الذي مارسه الإنسان منذ القديم ويركّز على الاتصال الشفاهي، وبين الاتصال عبر التقنيات الحديثة. 

   انظر شرام، ذكر سابقا، ص103

  ²انظر العرض المفصّل لمختلف أنماط الاتصال بكتاب د. جيهان أحمد رشتي، الأسس العلمية لنظريات الأعلام، دار الفكر العربي، 1978، ص670.

  3 انظر شرام، ذكر سابقا، ص103.


  Marshall Mc Luhan, Pour comprendre les media, Paris, edt Mame/Seuil, 1968, 404p        

(traduit de l'anglais par Jean Paré, titre original :  Understanding Media, 1964, Mc Graw-Hill Book Company, New York)    

                  يتناول درس مدخل في الصحافة الذي يشرف عليه د. رضا مثناني مختلف هذه القضايا، لذا يقتصر هذا الباب على الإشارة إليها بسرعة.

 
    Ithiel de Sola Pool (and others), Handbook of  Communication, Rand Mc Nally College      Publishing  Company, Chicago, 1973, I0Iip. (P5)                                           

                                                              

  Sandman Peter

David M. Rubin,                                                                             

David B.Sachman, Media an introductory analysis of american mass communications, new jersey, Prentice hall, 1982, 525p

  انضر باب إشكالية تأثر وسائل الاتصال (الإدراك الانتقائي)

   استخرجت المعلومات التالية من شرام، ذكر سابقا، ص136.                        

 
   Meron Benvenesti, israel censorship of arab Publications, a fund of free expression report, 1983,  York, 167p.       (A fund for free expression report, 36 West 44th street, new york, 10036, United States)                                     

                                                

                      انتشرت في بعض البلدان ظاهرة مجالس الصحافة وهي لجان قارّة تجمع بين اصحاب المؤسسات الصّحفية والمهنية

                     وممثّلين عن الجمهور. وتلعب هذه المجالس وظيفية مراقبة المؤسسات الصحفية في اتجاه مصالح الجمهور.

 

       استخرجت المعلومات التالية من ذكر سابقا. Ithiel de Sola Pool,

Hand Book Of Communication.                                            

 
Masmoudi Mustapha, Economie de l'information en Tunisie, Dar es Sabah, Tunis, ss date.         

   Ministère de l'Information, Enquete sur la diffusion des mass Ledia dans les zones urbaines en Tunisie, I. La Presse écrite, 18p,2. La radio, 19p, 3, la télévision, 13p, Tunis, Novembre 1977, Décembre 1977, Janvier 1978.                                             

     المقولة الأصلية للاسويل هي : ( من يقول ماذا باي وسيلة، لمن وباي أثر؟)

Francis Balle, Médias et société, Editions Montchrestien, Paris, 1980, 750p.

        يصنّف د. رضا نجار البرامج الترفيهية إلى تسعة أصناف : أفلام سينمائية، مسرح، تمثليات و أفلام تلفزيونية، سلسلات أو مسلسلات، أغان وموسيقى متفرّقة، برامج المنوّعات، برامج الألعاب والمسابقات التلفزيونية، برامج رياضية، وبرامج ترفيهية أخرى. المصدر : اتجاه البرمجة التلفزيونية في الوطن العربي، دراسة مقارنة، اتجاه إذاعات الدول العربية، 1983، ص27

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية