مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
حديثنا الصحفي لجريدة الراية القطرية

 
المدونات والمنتديات أكثر ما يؤرق وزارات الإعلام والداخلية العرب

د. جمال الزرن الأكاديمي التونسي الخبير بشؤون الإعلام ل الراية :


  • مدونة علاء ومنال أو وائل عباس أهم من فضائيات عربية ذات ميزانيات ضخمة
  • الإعلام العربي لا وجود له حتي يتم تنظيمه.. الموجود هو إعلام دول عربية
  • هناك حرب لتجفيف منابع المجتمع العربي علي مستوي التمويل والدعاية والإعلام
  • بدلاً من الرقابة علي القنوات.. لماذا لا نقوم بتفعيل الردع الذاتي لدي المشاهد
  • تأثير المساجد أقوي من الفضائيات الدينية
  • وزراء الداخلية العرب عرفوا تأثير الإعلام فسعوا إلي تقييده
  • الإعلام العربي يخدم السلطة السياسية ووثيقة تنظيم البث تعزله عن المجتمع


تونس- إشراف بن مراد: أصبح الحديث عن قضايا الشأن العام لا يستقيم اليوم دون تفكيك آليات تشكل المجال الإعلامي، فالتعرض لمشاكل الناس محليا ودوليا هو كلام عن كيف نحاور الأنا والآخر، وعربيا يعتبر ملف الإعلام رغم الظاهر فيه ملفا قليل الحديث عنه بشكل نقدي.

وفي سياق رصد تحولات المشهد الإعلامي الدولي والعربي والمتابعة الفكرية للمخاض العسير الذي يعايشه ارتأينا أن نحاور الدكتور جمال الزرن أحد الأكاديميين المنشغلين بحثيا بقضايا تحولات الإعلام العربي والدولي. فقد صدر له سنة 2007 كتاب عن تدويل الإعلام العربي . كما يمتاز محاورنا بربطه بين تدريس الإعلام في جامعات عربية (تونس-البحرين) والبحث فيه من خلال النشر في المجلات العربية والأجنبية المختصة، هذا بالإضافة إلي الرصيد المهني في مسيرة الدكتور جمال الزرن.

فإليكم الحوار التالي:

* شهدت المنطقة العربية تفاقم أعداد القنوات الفضائية، بصفة عامة والقنوات الدينية بشكل خاص إلي حدّ أن هناك من أصبح يدعو إلي السيطرة علي هذه القنوات ووصف ما تقدمه بتسريب الرمل وأن أغراضها تجارية.كيف ترون ما تقدمه هذه القنوات؟

- لكل شخص الحق في تأسيس فضائية ومن حق أي مجتمع وليس أية دولة أن يحدد آليات مراقبة تلك الفضائيات. إنّ الإشكال ليس في تأسيس فضائية بل في أية فضائية يريد المجتمع.لذلك فالرقابة الماقبلية ليست حلا، بل علينا أن نفعل الرقابة المابعدية والتي تدخل ضمن إشكال معرفي وثقافي. أنا من أنصار أن نفعل المناعة الذاتية للمجتمع فيما هو إعلامي وليس بممارسة المنع يمكن أن نحمي المجتمع.إذن وعلي هذا الأساس علينا بتحويل ملف الإعلام إلي قضية مجتمع وثقافة وليس بقضية وزارة إعلام أو مجلة الصحافة، فإلي يومنا هذا وفي جل الدول العربية لا دخل لعديد الأطراف المجتمعية (أحزاب، جمعيات، نقابات...) في ملف الإعلام لا من قريب ولا من بعيد، وكل ما يأتي من المشرفين علي وسائل الإعلام يأتي عادة تحت شعار مصلحة المجتمع الذي بدوره يرفض بشكل ظاهر أو خفي ما أختير له. إن الإعلام لا يمكن له أن يكون دينيا أو روتانيا (نسبة الي قنوات روتانا) فحسب بل قيمة الإعلام تكمن فيما في المجتمع من تعدد، والتشبث بالديني هو علامة علي إنحسار الإعلام المتعدد الذي يعكس قضايا المصلحة العامة، أما عن الخلفية التجارية فهي أساس الصناعات الإعلامية فليس كل ما هو تجاري في الإعلام سيئاً بالضرورة، فالإشكال يكمن في كيف نوفق بين التجاري حتي يتواصل المشروع الإعلامي وبين أهداف المؤسسة الإعلامية.

* هل نحن حقا بحاجة إليها أم لا؟ إلي أي درجة هي مسؤولة عن عودة الوعي الديني في الشارع العربي؟

- في التسعينيات من القرن الماضي اجتاح الإسلاميون الفضاءات العامة في أغلب الدول العربية، وفازوا بإنتخابات الأحزاب ونقابات الطلبة والعمال في تونس ومصر والسودان وغيره، حصل هذا بدون فضائيات. إذن فمقولة أن رجوع الوعي الديني سببه الفضائيات الدينية، يفسر جزءاً من التقاطع بين الديني والسياسي والإعلامي. إن عودة المدّ الديني يجعلنا نفكر وكأن الدين كان غائبا عن حياتنا السياسية والعامة، لتأتي الفضائيات وتعيده. في كل قرية عربية وإسلامية توجد فضائية إسمها المسجد، فهل لإيقاف المّد الديني علينا بإغلاق كل المساجد ؟إن الإعلام الديني، لا يمكن تفسيره إلا بما هو خاص بتشكل المجال الديني وتأثره بما هو سياسي وليس فقط بتتبع مسارات وسائل الإعلام التي تتخذ من الدين مادتها. وفي هذا الصدد أقول أن ما هو غير مرئي في الإعلام يفوق ما هو ظاهر فيه، وأن الحل يكمن في تفعيل البحث في المجال الإعلامي بشكل نقدي وعلمي بعيدا عن ما هو عاطفي وسياسي.

* لقد اعتبر وزراء الإعلام العرب وثيقة البث الفضائي وثيقة استرشادية، وكلفوا الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي بتقديم مشروع لإنشاء مفوضية عامة للإعلام يكون ضمن مهامها تحقيق احترام المبادئ الواردة في الوثيقة. ما تعليقكم علي هذه الوثيقة؟

- هذا موضوع بحثي أشتغل عليه منذ فترة طويلة وسينشر قريبا وعنوانه نقد الإعلام العربي: الوسيط والتلقي في الثقافة العربية . الإعلام العربي لا وجود له حتي ينظم. الموجود هو إعلام دول عربية لا أكثر. لكن لا يمكن لأي عاقل إلا أن يرحب بكل محاولة للنهوض بما يسمي إعلاماً عربياً شريطة أن يكون منسجما مع طبيعة المجتمع الذي يعبر عنه ومع ما يشهده الإعلام والإتصال في العالم من متغيرات بنيوية وهيكلية عميقة. يجب أن يعي أهل السياسة أن الإعلام لا يدرك فقط بالمبادئ بل كثيرا ما يفهم بالتفاصيل والجزئيات التي وللأسف ورغم محاولات التغيير مازالت في قبضة السلطة السياسية في كل دولة عربية.

* هناك من يقول إنها جعلت لتكبيل قناة الجزيرة بشكل خاص، ألهذه الدرجة قناة الجزيرة أصبحت خطيرة وقادرة علي التأثير علي الشارع العربي ودفعه إلي إزعاج الحكومات ومساءلتها؟

- توجد سيادة واحدة تراقب قناة الجزيرة إنها سيادة دولة قطر، إذن فالإشكال لا يطرح من هذه الزاوية بل من زاوية التقاطع السريع الذي أصبح يحدث بين كل من المجال الإعلامي والمجال العمومي. في الماضي كانت وسائل الإعلام إمتداداً لهيبة الحكومات، أما اليوم فإنه أصبحت توجد بعض وسائل الإعلام العامة أو الخاصة التي تلتقي سياسة تحريرها وبغض النظر عن الخلفيات مع قضايا لها صلة بالمجال العمومي ومنها قناة الجزيرة. إذن إن محاولة تنظيم البث الفضائي العربي هي محاولة لعزل المجال الإعلامي عن قضايا الشأن العام، وإن حصل تقارب فيجب أن يكون مدروسا وخاضعا لآليات مراقبة ليس وسائل الإعلام فحسب بل ايضا لأشكال تنشئة المجتمع وتحديد سقف تحولاته المستقبلية.

ولقد اصبحت أتحاشي الحديث عن قناة الجزيرة، فالحديث عنها يقودك إما أن تكون مع سياسة تحريرها أو ضد توجهاتها الإعلامية وهذا أمر خطير علي المستوي الفكري والأكاديمي والذي يمكن أن يكون صالحا أكثر لرجل السياسة. أعتقد أن إضافات الجزيرة الإعلامية هي بقدر مهنيتها وتجاوزاتها المهنية والأخلاقية، وكل هذا ليس من فراغ بل إن قناة الجزيرة هي وليدة سياق إعلامي عربي ودولي ولم تكن ظاهرة مسقطة بل نتيجة إرهاصات نموذج دولة ما بعد العولمة. يفسر العديد من الساسة والإعلاميين أن ظاهرة الجزيرة هي ظاهرة مفاجأة، لكن في واقع الأمر لا وجود في عالم الأفكار لمفاجأة. تحدث المفاجأة - عمليا - في الواقع فقط والواقع يعرفه ويهتم ويخطط له الساسة والتكنوقراط، فمن فوجئ بالجزيرة فكأني به يريد للسائد أن يستمر أو يعد لشيء نقيض للجزيرة. إن مخرجات قناة الجزيرة تعبر عن تناقضات وأزمات الواقع العربي ومنها واقع الإعلام الذي يتعايش مع المحلي والدولي بدرجات متفاوتة بها علامات الإخفاق والنجاح.

* تحدث وزير الإعلام المصري أنس الفقي في الاجتماع الأخير لوزراء الإعلام العرب عن وثيقة بخصوص الصحافة الالكترونية مماثلة لوثيقة البث الفضائي.كيف ترون واقع الصحافة الالكترونية في البلاد العربية خاصة مع غياب الجانب التشريعي تارة والتهميش الذي تعاني منه تارة أخري؟

- إن الصحافة الإلكترونية في العالم بصدد إحداث حالة من التقاطع والمحدثة لإستجابة مجتمعية في إظهار قيمة الشأن العام من خلال النشر وحرية التعبير. إذن تختفي الصحافة الإلكترونية وراء وهج تشكل مجال عمومي بطيء بحكم معوقات سياسية وهيكلية وتاريخية ثقيلة الحمل. فإلي اليوم لا نعرف هل الصحافة الإلكترونية هي التي تساهم وبشكل فعال في تشكل رأي عام جديد وصدامي أم أن الرأي العام هو الذي يختفي وراء الصحافة الإلكترونية لتجنب الملاحقة بكل مظاهرها. علي هذا الأساس فإن أية محاولة لتنظيم الصحافة الإلكترونية هي محاولة لتنظيم جزء من المجتمع مشكل من أشخاص يفكرون في قضايا عامة أو خاصة لها إمتدادات في الشأن العام.

* لو عُدنا إلي وثيقة وزراء الإعلام العرب فحسب تقديرك إلي من تتجه تلك الوثيقة؟ إلي الجهات الرسمية الحكومية أم المدنية ؟

- قبل الحديث عن إلي من تتجه وهذا سؤال علي قدر كبير من الأهمية وسأحدثك عنه بالتفصيل، دعيني أثير قضية من وراء هذه الوثيقة. إنني أشك (والله أعلم) أنّ وراء إطلاق تلك الوثيقة توصية من وزراء الداخلية العرب إلي نظرائهم وزراء الإعلام العرب. فلقد انعقد مجلس كما تعلمين وزراء الداخلية العرب في الشهر المنقضي بتونس ويكفي التذكير أنه من أنشط أجهزة العمل العربي المشترك إذ لم تؤجل له أية دورة ولم يتغيب أي وزير منذ تأسيسه، لا علينا، المهم تدارس هؤلاء الوزراء مراقبة عمل الجمعيات ودعمها وهنا يقع دائما الخلط بين الجمعيات ذات التجاذبات الدولية وجمعيات المجتمع المدني المحلية وأقروا كما هي العادة مجموعة من القرارات في اتجاه تجفيف منابع الجمعيات المعارضة علي مستوي التمويل، وأيضا علي المستوي الإعلامي، وبحكم أنَّ ملف الإعلام رهين وزراء الإعلام فتحركوا بسرعة وقبل انعقاد القمة العربية علي أساس توصية وزراء الداخلية العرب حتي تكون حرب تجفيف منابع المجتمع العربي علي مستوي التمويل وعلي المستوي الدعائي والإعلامي بشكل متزامن. وغداً سنجد مجتمعاً عربياًّ مدجنا، في حاجة إلي علماء نفس غربيين حتي يعالجوه، هل تعرفين أنَّ الغرب لم يعرف علمياًّ إلي يومنا هذا لماذا قام منفذو هجمات سبتمبر 2001 بقتل أنفسهم- في حين تتوفر لهم الإمكانيات المادية-الثروة- والفكرية أي الشهادات الجامعية.

* عفوًا دكتور أردت أن أسالك أذكرك : وإلي من تتجه تحديدا وثيقة تنظيم البث الفضائي العربي؟

- أما إلي من تتجه، فأكيد إلي لا أحد، فلا وجود لجمعيات مدنية تعني بالدفاع عن المشاهدين ومستهلكي البرامج الإعلامية. إذا ما تقدمت أي جماعة بتأسيس جمعية الدفاع عن برامج التلفزيون أو الإذاعة فستمنع. إنّ النقابات المهنية المختصة بالإعلام ممنوعة فما بالك بالمشاهدين. إذن فعلي المستوي الواقعي يوجد متلقٍ لكنّه غير فعال ومؤثر علي المستوي المجتمعي والقانوني. فلا يوجد في مجلس إدارة قناة عربية ممثل للجمهور المستهلك. لذلك أدعو- وأكيد كل هذا حبر علي ورق- وزراء الإعلام العرب أن يصدروا لهذه اللائحة لائحة موازية يلزمون بها أنفسهم بأن تتكفل كل دولة عربية بتأسيس جمعيات مدنية لمشاهدي التلفزيون ومستمعي الراديو، وتأسيس نقابة مهنية في كل مؤسسة إعلامية وأن يكون في مجلس إدارة كلّ شركة إعلامية نسبة محددة للجمهور. أكيد إذا توفر كل هذا فإن وزراء الإعلام العرب لن تصبح لهم وزارة وربما لن يجرؤا علي إصدار مثل هذه الوثيقة. لماذا لأنَّ الإعلام لم يعد قضية شد حبل بين الحكومة والقطاع الخاص بل صار شأناً مشتركاً أي قضية مجتمع (حكومة، قطاع خاص، جمعيات، مهنيين..).

* إلي أي درجة أثّرت حرب الخليج وحرب العراق الأخيرة خصوصا علي المشهد الإعلامي العربي؟

- هذا سؤال مفصلي فأنا لا أخفي قولي بأن الإعلام العربي قبل الحرب علي العراق ليس هو الإعلام العربي ما بعد الحرب علي العراق والدلائل كثيرة. وعندما أقول الدلائل فلا أريد أن أقع ضحية تشخيص وصفي كمي فحسب بل إن تحولات الإعلام العربي متعددة الأوجه وخاصة منها الثقافية والسياسية علي أمل أن تتحول تدريجيا إلي هاجس فكري ذي صلة بقضايا تحديث المجتمع والدولة وليس فقط الوقوف عند دائرة التوظيف الحيني. لقد اصبح السياسي يفرد أهمية في إدارته للشأن العام لقيمة الإعلام والإتصال، وكذلك عند فئات مجتمعية أخري وهذا عنصر حيوي يجعلنا ندخل في حلقة جديدة إسمها تواصل الأفكار والبرامج بين الناس وصاحب القرار وذلك بغض النظر عن وجاهة أو ضعف تلك الآراء. إن تحويل قضايا الشأن العام إلي هم يومي علي واجهة وسائل الإتصال مرحلة مهمة لأي إمكانية للتغيير. إن عرض الأفكار يؤدي حتما إلي الوقوع في فخ التعدد والتعدد هو طريق التواصل والحوار بين الناس. أصبحت شيئا فشيئا توجد رغبة ربما تبدو في بعض الأحيان محتشمة لإعلان قضايا خلافية في المجتمع للعموم وهذا هو مدخل الديمقراطية والجدل الإجتماعي الذي يمكن من خلاله القيام بالإصلاح والمصالحة بين النظام السياسي ورعاياه من زاوية تواصلية إعلامية.

* انتشرت المدونات بشكل متسارع في السنوات الأخيرة. فهل تعتبرونها إعلاما بديلا؟

- إن اعتبار المدونات أحد تمثلات نظريات الإعلام البديل مقاربة نظرية جريئة، فالإعلام البديل كان ولازال تاريخيا حاضرا في تشكيل الرأي العام والمجال العمومي لكن الإشكال هو في الإعتراف به فكريا وعمليا. ميزة المدونات وهنا تكمن الجرأة النظرية أنها فرضت وبشكل غير مسبوق الإعتراف بالإعلام القادم من خارج المؤسسة الرسمية العمومية أو الخاصة الأهلية. إن ظاهرة المدونات وإن بدت ضعيفة التأثير في المجتمعات النامية وذلك بحكم معوقات هيكلية ومادية راسخة فإنها تعكس حراكا مجتمعيا اساسه سليم فهي وخاصة مدونات الشأن العام تمثل صوت المواطن من جهة ودعوة غير مباشرة للنهوض بأداء الإعلام التقليدي الذي وللأسف دخل غمار المجال الإقتصادي وبقي بشقه الخاص والعمومي أسير تراث دعائي هجين. أنا علي يقين يكاد يتحدي بأنه سيأتي اليوم الذي لا يمكن فيه لأي طرف أن يحجب أي شيء، وهذا ما يحدث منذ فترة في بعض الدول الغربية وحتي العربية إذ لا يمكننا حجب أية معلومة عن الناس ويكفي هنا ذكر صور سجن أبو غريب التي التقطت بكاميرا رقمية وعديد الفضائح التي كشفتها المدونات. إن التدوين هو علامة دخول المواطن ولأول مرة في التاريخ إلي دائرة إنتاج المعرفة والرموز. لكن ما هي طبيعة ومميزات ما تقذف به المدونات، فهذا ما سيكشفه المستقبل القريب. إن المدونات في المشهد الإتصالي والإعلامي العربي سيكون لها تأثير هام علي عملية التلقي وصيرورة إنتاج المعلومة ونشرها. أعرف أنا شخصياً أن أكثر ما يؤرق وزارات الإعلام والداخلية العربية اليوم هي المدونات والمنتديات، فهي بين رغبتها في كبح جماحها وخوفها من أن تنعت بالقمع والرقابة من قبل المنظمات الدولية. ستدفع المدونات إلي تغييرات في هيكلة وخطاب الإعلام الرسمي والخاص لأنه علينا أن نعرف أن كل يوم يمر يشتري فيه مواطن كومبيوتراً جديداً وأن كل يوم يتخرج طلبة جدد في المنطقة العربية حاملين لشهادات تدفعهم إلي الكتابة، هذا هو مسار التاريخ. إن تراكم المعارف، يستدعي تداولها، وتداولها في حاجة إلي رأي في شأنها، والرأي لا مكانة له إذا لم يكتب، والمدونة هي الفضاء الوحيد الحرّ والمجاني الممكن لبروليتاريا الإنترنت في الوطن العربي.

* لقد اطلعت علي مدونتك واكتشفت أنك من هواة التدوين وأنك أيضا من المهتمين بهذه الظاهرة علي المستوي الاجتماعي؟

- صحيح وشكرا علي تفطنك إلي ذلك، فقد أسست في شهر نوفمبر من سنة 2006 مدونة اسمها مقعد وراء التلفزيون وهي تهتم بالإعلام والاتصال والصورة في زمن العولمة وقد أسستها تفاعلاً مع ما أدرسه لطلبتي في قسم الإعلام وذلك من أجل التواصل، والتفاعل العلمي والأكاديمي، علي فكرة فإن مدونتي مختصة نوعاً ما، وهي أول مدونة عربية تعني بعلوم الإعلام والاتصال وعنوانه يوحي بأننا اليوم وإذاً ما أردنا أن نفهم الإعلام علينا أن لا نكون متفرجين بل أيضا ناقدين أي أن لا نكون أمام وسائل الإعلام بل خلفها أي داخل المجتمع ومكوناته. لقد زار هذه المدونة المتواضعة وإلي يومنا هذا أكثر من 30 ألف مُتصفح وخاصة منهم الطلبة وتصلني العديد من الرسائل والتساؤلات، وخصوصاً من الجيل الجديد من الباحثين العرب في مجال الإعلام والاتصال من العراق وفلسطين وتونس والجزائر وأنا بذلك أكسر الحدود وأكون مُنسجماً مع ما أدرسه. ذلك أن عديد الدكاترة، قد تجاوزهم طلبتهم وهذا أمر لا يعقل. من جهة أخري نشرت دراستان عن المدونات الإلكترونية وسلطة التدوين و صحافة المواطن: المتلقي عندما يصبح مرسلا ، وكلا البحثين مساءلة عن ما يمكن أن نطلق عليه سوسيولوجيا المجتمع الرقمي، فالمدونات تقدم فرصة حيّة للتدرب علي الحوار ومحضنة للديمقراطية والتواصل في زمن ضاق المجال العمومي الواقعي ليتشكل مجالاً عمومياً افتراضياً. وربما تعرفين مدونة علاء ومنال المصرية أو مدونة وائل عباس فمثل هذه المدونات تقدم إضافة إلي المشهد الإعلامي والإتصالي العربي يفوق فضائيات عربية ذات ميزانيات ضخمة.

* درّستم في الجامعة التونسية واليوم أنتم تدرسون في الجامعة البحرينية، هل هناك اختلاف بين الجامعتين باعتبار أنّ لكل منها مرجعياتها؟

- بالفعل توجد العديد من الفوارق الهيكلية والمنهجية بين النموذج المغاربي والنموذج الخليجي، وهو اختلاف يعود بالأساس إلي تأثر النموذج المغاربي بالمرجعية الفرنكفونية والخليجي بالنموذجين البريطاني والأمريكي. كما أن صدمة الحداثة كانت أقوي تأثيرا علي المغرب العربي قياسا لبلدان الخليج هذا إذا ما قمنا بمقارنة تعسفية. رغم هذا الفارق الثقافي فإن كلا النموذجين يتعاملان مع الجامعة كمؤسسة لتخريج كوادر لإدارة دواليب الدولة لا أكثر وهو ما يحيلنا إلي حقيقة مرة ألا وهي غياب الخلفية البحثية والعلمية لكل الجامعات العربية، لأن البحث العلمي له صلة بالتنمية وبالإعتراف بقيمة العلم كعنصر نهضة وهي مسائل غائبة في البرامج السياسية رغم حضورها اللافت في الخطاب الرسمي العربي.

* ماهي سمات الطالب العربي اليوم؟ وماذا يريد من الجامعة؟ ألا تشاطرني الرأي أنّ الطالب العربي عموما فقد ثقته في الجامعة خاصة مع تفاقم أعداد العاطلين عن العمل في صفوف الحائزين علي الشهادات الجامعية؟

- دائما أجد نفسي مع زملائي الدكاترة أدافع عن الطالب الذي كنت في كل مناسبة عرضية والسبب وبكل بساطة هو إيماني بأن الطالب هو كائن إبن بيئته، فليس من المنطقي أن نحمله ما لا يستطيع. الحديث السائد في الغرب يتناول مسألة الطالب كمفرد وفي المنطقة العربية يسود حديث عن الطلبة أي بصفة الجمع والكم أي عدد الطلبة وعدد الناجحين لا أكثر. في حين أن الحديث المنطقي هو أن كل طالب يجب أن يكون مختلفا في إختياراته عن بقية زملائه وذلك بحكم تعدد الإختصاصات. الطالب العربي مهمش لأنه في مرحلة وسطي بين الإستعداد للعمل والإنتظار للدخول في الحياة العامة دونما أي إعداد، فهو مطالب دائما بأن يكون في مستوي ما يترقبه أساتذته وإدارته ووالده وصاحب العمل المرتقب وفي مقابل كل هذه المطالب لا يقدم للطالب إلا تكوين أعرج في سياق حريات غائبة. إن من بين خصائص الحركات الطلابية كونها دائما رافضة ومتمردة وشبابية وطلائعية، فإذا انتفت من الطالب قدرته علي استفزاز مجتمع الكهول والقائم علي هيمنة المؤسسة التقليدية فإن ذلك علامة علي أن المجتمع يعيش حالة من السكون، ويكفي هنا الاستدلال بما جاءت به ثورة الطلاب في فرنسا سنة 1968 .

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية