مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
ريجيس دوبريه يرد على بن لادن

 رسالة ريجيس دوبريه إلى بن لادن

 ترجمة محمد صدام

سيدي،
 


كنتم قد أحلتم إلى "أصحاب الذكاء" في الاتحاد الأوروبي رسالة تتضمّن تساؤلات حول نشر صور كاريكاتوريّة دانماركيّة تتعلّق بالنبيّ محمّد. إنّ كلّ رسالة تستحقّ الجواب. و لأنّ صندوق بريدكم الألكترونيّ طافح و لا يتّسع الوقت للقيام بزيارة خاطفة إلى شمال وزيرستان كي أسلّمكم رسالتي مباشرة، فإنّ صحيفة "لومند" ستقوم بدور حمام الزاجل.

لماذا تـُلقون اللّوم على الأوروبييّن ؟ فهؤلاء وضعوا أنفسهم في خدمتكم في أفغانستان عندما انضمّوا إلى عصا الراعي – الأمريكيّة - و أنجدوا حكومة نصّبتها واشنطن. هذا التحالف المسيحيّ (بمساندة تركية مُكمـّلة)، على جهله التامّ باللّغات و العادات و تاريخ هذا البلد، لم يفعل شيئا سوى مزيد التوغل في اتجاه صدام الحضارات مع التنديد به في ربوعه. وسوف يؤدّي هذا الحلف، مثل كل احتلال أجنبيّ، بابتزازاته وتجاوزاته وضحاياه المدنيين، إلى انتفاضة وطنية وقبلية تعيد إلى الساحة أصدقاءكم (القدامى) الطالبان الذين سوف نـُسلـّم لهم بكلّ غباوة راية الاستقلال. فالأفغانيون يتمكّنون دائما من طرد غزاتهم، بالأمس البريطانيين ثم السوفيات و غدا الأطلسيين. أمّا نـُخبنا فإنّها لم تتعلم شيئا من حربي الجزائر والفيتنام، واعترافهم بخطئهم يأتي دوما متأخرا بنصف قرن. إنّ هذه الحرب الاستعماريّة اللاّمنتجة، الغبية و الخاسرة سلفا، من شأنها أن تلبّي رغباتكم إنْ لم تحقق تخوّفات السيد صموئيل هنتنغتون. وتلك لعمري سخرية التاريخ السوداء. فإنْ لم يكن الهزل شيمتكم البارزة و لا الوداعة، أيضا، فإنّ فنانا مدمّرا (من طرازكم) من واجبه على الأقل أن يتذوّق المفارقات الاستراتيجية لردّة الفعل.

لنأت، الآن، إلى مسألة الرسوم الكاريكاتورية. تروْن في ذلك "شتما و جرما أقسى من قتل النساء والأطفال في القرى الإسلامية". لا أفهم كيف يمكن أن نقارن عنفا بَصريّا بعنف مادي (جسدي)، أي أن نقابل رسما غبيّا وسيّء النية بذبح سجين أمام آلة كاميرا. أكمِلوا معلوماتكم القانونية. إذا ما كان قتل إنسان أعزل يُعتبر جُرْما في كلّ مكان من العالم (بينما لا يفـْتِك نشرُ رسم بأحد) فإنّ التجْديف (أي إصدار أقوال و كتابات أو صور تشتم الآلهة) مثل انتهاك الحرمات (أي تدنيسٌ بالأفعال لأماكنَ و أشياءَ أو أشخاص) تبقى جرائم أو جُنحا في تشريع العديد من البلدان الأوروبية، ما عدا  بلجيكا وفرنسا (دون اعتبار مقاطعة "للزاس لورين"). فالاتحاد الأوروبيّ هو، لحسن الحظ، غير موحّد حول هذه المسألة.
لا تطلبوا من الفرنسيين التكفير عن جُرم لا يعرفونه في بلد لا يمكن لأيّ إنسان أن يكون فيه مضطهدا من أجل آرائه حتّى و لو كانت دينية، و نـُضيف: حتى ولو كانت مُعادية للدين أيضا، و ذلك منذ 1789. فما أكثر الفضائل التي جعلتم مستأجريكم القتلة يكرهونها بتلاعبكم بمشاعر المسلمين. أمّا عنصر " الشتم تجاه مجموعة من الأشخاص بسبب دينهم "- أو عنصر الثلب - فهو مُقرّ من طرف قانوننا لـ29 جويلية 1881 المتعلق بحرّية الصحافة (بند 29 فقرة 2). وقد أقرّت محاكمنا أن هذه الرسوم، بالرغم من وقاحتها و حتى استفزازيّتها، لا تستهدف سوى الظلامييّن وأصحاب الأعمال الإرهابية - الانتحارية المغالين و المسيئين استعمال اسم الرسول. لا يحِق لكم أن تأخذوا ذلك مأخذ الثلب ما دمتم تتبنون هذه الاعتداءات الإرهابية.

لنأت، الآن، إلى جوهر المسألة: توجد فوق كوكبنا الأرضي أكثر من حضارة، و هذا أمر جيّد. في حضارتنا (الغربية) وبالرغم من تفاهة الرسوم الدانماركية المذكورة يُشكـّل الرسم الكاريكاتوري فنـّا عريقا يأخذ جذوره من الرسوم الأسطورية والمنحوتات والأقنعة القروسطية وهو يُمثـّل كذلك - مثل الصحافة – فنا شعبيا مُكتسبا بتضحيات وجهد جهيد. تعالوا، إذن، لزيارة "معرض دوميي"(Daumier)  للصور الكاريكاتورية المقام بالمكتبة الوطنية الفرنسية بباريس لتتبينوا ذلك. في حضارتكم يمنع التقليد (  السنّة في مقابل tradition- التحرير ) – إن لم يكن القرآن الذي لا يثير الموضوع – الصور و الرسوم المتعلقة بالإله خصوصا.

هذا أمر واقع. فلنحترم هذه الحرية وكذلك التفاوتات الزمانية بين ثقافتينا الخاصتين والمحترمتيْن كلتيْهما. إنّ لفظة كاريكاتور وُجدت عندنا، مع "حنبعل كراش"(Annibal Carrache)، منذ القرن السادس عشر وقد حتـّم انفصال الابتكار الفني عن البناء الأخلاقي مرور مرحلة طويلة. وعلى كل حال، لا أحد يُجبر مؤمنا على شراء جريدة أو كتاب، غير أنه لو رُسم كاريكاتور عملاق للنبيّ محمد في ساحة "لاكونكورد" بباريس، يكون من حقّكم الاحتجاج ، لأنّ ذلك يشكـّل اغتصابا للضمائر.

إن حرّية التعبير ليست – في أيّ مكان من العالم – بلا حدود. الرسّام الإسرائيلي يستثني من تصويره الكاريكاتوريّ المحرقة النازية لليهود، والمغربي يستثني الملك  والفرنسي العديد من المواضيع المُحجّرة. كلّ الثقافات لديها عناصر قـُدسيتها الخاصة. وهذه حجّة أخرى كي نتفادى المقدس الموحّد. أنتم لا تريدون غرْبا شموليا ؟ حسنا.. نحن لا نريد كذلك إسلاما شموليا. لكن ها نحن ، حقوق / إنسانيين وإسلاميين، بفضل الإنترنت شركاءُ كِراءٍ في البيت الإنساني. فنحن، كجيران، مُرغمون على الـِرقـّة و الحصافة. و نحن في حاجة (أكيدة) لشيء من التحفـّظ و الاعتدال (الذاتي) مثلما يفعل ذلك رسّامنا الوطني "بلانتو"(Plantu) الذي لا يعنيه في شيء ما يجري في السماء والذي لا يتهكـّم أبدا على الأنبياء بل فقط على المُلتحين.
لنتجنب إذن قيام شرطة دولية للرسوم، فهي قد تـُنصـِّب دكتاتورية التلـْطيف و التوْرية.
لا أظن أن مجرد ميثاق للمجاملة و الأدب بين الحضارات – من شأنه أن يُجنـّب الطرفين إلقاء الزيت على النار المقدسة – يحظى بموافقتكم. غير أنه من أجل إدارة الفضاءات المشتركة بيننا، لا يمكن لساذج سليم النية أن لا يرى أحسن من الحكمة القائلة :" لا نـُعاملْ غيرنا بما لا نريد أن يُعامِلنا به ".

قد يكون هذا القول مجرد أكليشيهات، لكن لتطمئنوا. لقد قاله "كونفوشيوس"Conficiusقبل أن يقوله يسوع المسيح. فهلا ترون أن حكمة الأمم قد تمثل مُسَكـِّنا في متناول مجانين الله. فكـّروا في ذلك جيّدا، فهذه الحكمة تنتصر دائما في آخر المطاف على جنون البشر.


- ريجيس دوبريه Régis Debray
كاتب و فيلسوف و مدير مجلة "ميديوم"
نشر المقال بصحيفة "لو مند"  بتاريخ 11 أفريل/ نيسان 2008 

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 12 يونيو, 2008 11:37 م , من قبل paak
من البحرين

كل يرى الامور بنظرته الخاصة.. ويفسرها حسب رؤيته.. إن كان البعض من المستظلين براية الاسلام يستغلون اسم الاسلام لتحقيق اهداف دنيئة.. فهناكـ الكثير منهم ممن ظلموا وما يفعلونه رد فعل وليس فعل.. والغرب الحر في كل شيء بات يشجع الحرية في شي ويضيقها في شي آخر.. الاخطاء موجودة في كلا الطرفين.. ووجودالاخطاء من سمات مجتمعاتنا.. لانه لا يمكن ايجاد مجتمع مثالي على وجه الارض.. لاننا في الدنيا!! أي مهما ارتقينا فهناك شي من الدنو!



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية