
تعمل الشائعة كأداة إعلامية وسياسية بأشكال مختلفة، وهي قادرة على التبدّي بصور قد تصل إلى درجة التباين، من أجل الوصول إلى غاياتها، وبمكر واضح تحاول اللعب على كل ما حولها ومن حولها وتستعمل في سبيل بلوغ أهدافها، ليس فقط النوافذ الإعلامية والسياسية والثقافية، والأنساق الفكرية والنفسية للمجتمع أو البيئة التي تحتضنها، بل أكثر من ذلك هي تسيّر هذا المجتمع نفسه بحيث يكون هو المتلقي، وهو أيضاً أداة التوصيل للغرض من الشائعة.
نحاول في هذا الموضوع أن نستبين طبائع هذه الظاهرة الإعلامية السياسية والاجتماعية، في أي البيئات من الممكن أن تنشط، وكيف تستطيع أن تتخذ لنفسها أشكالاً متعددة بحسب البيئة التي تتواجد فيها، كيف تتعامل الشائعة مع كل الوسائل من حولها، وما هي شروط تواجدها ونموها وتفاعلها، التقينا بعدد من أساتذة علم الاجتماع في جامعة البحرين للوقوف على كل ذلك فكان هذا التحقيق:
ويحدد زين العابدين نقاطه "النقطة الأولى التي أود الإشارة لها هنا في محل محاولة البحث عن أسباب تنامي هذه الظاهرة هي ضعف الإعلام " ويمكن التمثيل هنا بالعالم العربي، الذي يصدق عليه هذا المثال« ففي العالم العربي يمكن وصف الشائعة بأنها أقوى وأهم الأخبار، وذلك أن كل تلك الأخبار التي لا تقال في الصحف والإعلام بشكل صريح تظهر من الخلف على شكل شائعات، وتكون عادة أقوى الأخبار، والشائعة عادة إما تكون انعكاسا لأمر هو واقع بالضرورة، ولكن الشائعة أخذت منه وضخّمته ووسّعته، أو أنها تكون انعكاسا لحالة كبت وضغط وتنفيس، وفي الحالين هي تعكس حالة ما، لذلك فهي ليست مرضا بحدّ ذاته، وإنما هي انعكاس لأمراض أخرى".
ضعف الإعلام .. والفقر المعرفي
ويضيف "وكلما ضعف الإعلام وكلما قصرت أجهزة الإعلام عن عكس وتوضيح نفس الشارع العام وربط السلطة بالجماهير، برزت الشائعة كبديل عن خفوت دور الإعلام، فتأتي أخبار التعيينات والعزل والإصلاحات والتغييرات كلها على شكل شائعات، ومن بعد الشائعات يمكن أن يأتي الخبر، لذلك فإن لم تكن هناك وسائل سليمة لظهور الخبر، فإنه لا بد سيخرج بطريقة غير سليمة".
ويجمل النقطة "هذه هي الإشكالية الأولى وهي ضعف دور الإعلام كوسيط بين السلطة وبين المجتمع وينبغي أن ينظر لها بمنظور الدور الذي تؤديه في حالة وقوع نقص في أجهزة الإعلام أو آلية التواصل".
ثم يتجه إلى النقطة الثانية التي تتمثل في أن "المجتمعات العربية على مر الزمن كونت نمطاً من الثقافة البعيدة عن التوثيق والتحقيق، فكثير من الأخبار على مر التاريخ العربي ليست أكثر من شائعات وقصص "متهالكة"، ولكنها في الحقيقة تشكل ثقافة وتراثا، فإذا رفضناها فنحن نرفض ثقافتنا وتراثنا، وإن قبلناها فنحن نقبل روايات ضعيفة متهالكة وهنا تقع الازدواجية، والصحيح هو أن تكون هناك نظرة واقعية تجاه الشائعة، فنسأل لماذا تصدر هذه الشائعة، وليس فقط من هو الذي أصدرها، بل لابد أن يكون هناك نظرة واقعية لإصلاح النهج الثقافي العربي".
ويضيف شرطاً ثالثاً هو شرط للشرطين السابقين "ويمكن أن نوجز شروطاً تنامي هذه الظاهرة وتكاثرها في بعض المجتمعات في الفقر المعرفي في الثقافة العربية فإذا كانت المنتجات الثقافية العربية قاصرة عن التعبير السليم عن العلاقة بين المجتمع والدولة سيكون البديل نمط ضعيف جداً من الأداء المعلوماتي وهو الشائعة، إضافة لذلك هناك كما قلنا ضعف الإعلام كوسيط وضعف الشفافية من قبل الدولة".
البيئة التنافسية.. وتنامي الشائعة
أستاذ علم الاجتماع السيد الأسود يؤكد على أننا"يجب أن ننظر للشائعة كظاهرة إجتماعية لها عدة أبعاد منها السيكولوجية والإقتصادية والسياسية وغيرها، ولكنها قائمة أساساً على أرضية مهمة هي أرضية التنافس، والتنافس غير النزيه تحديداً"، ويضيف »تستغل الشائعة قابلية نفسية لدى الأفراد للتصديق المباشر والإنسجام المباشر مع الشائعة دون التحقق منها، باعتبار أنها في مرحلة ما قد تعتبر وسيلة " ترفيه" بالنسبة لكثير من الأفراد".
ويضيف الأسود بأن "تطوّر الشائعة مرتبط كثيراً بمسألة العلاقات الإجتماعية، فالشائعات البسيطة عادة ما تظهر في المجتمعات البسيطة ذات العلاقات الإجتماعية القوية كمجتمعات القرى، وكلما تطوّرت المجتمعات صارت الشائعة منظمة بشكل أكبر، ومخطط لها بشكل أعمق، فالشائعة العفوية قد تظهر في المجتمعات القروية ولكن في مجتمع متطوّر مثل المجتمع الأمريكي، وما حصل أخيراً بين المتنافسين الديموقراطيين باراك اوباما وهيلاري كلينتون، من الممكن استغلاله كنموذج للشائعة المنظمة، فثمة حقيقة ما هي الصورة التي يظهر فيها أوباما مرتدياً الزي الإسلامي الصومالي، ولكن هذه الحقيقة محاطة بكثير من الشائعات حول انتماء أوباما وهويته، وأحيطت الحقيقة بصورة سلبية عن هدف الشائعة وهو هنا "أوباما"، ما يجعنا نقول بأن الشائعة لا يمكن أن تقوم دون المس بالهدف وهو موضوع الشائعة".
"فإذاً -يضيف الأسود- لا بد من وجود التنافس لاستخدام تكنيك الشائعة للنيل من الآخر، وهذا الآخر من الممكن أن يكون شخصا أو فريقا أو جماعة أو طائفة، وحينما لا يستطيع مصدر الشائعة الإرتفاع إلى مستوى المنافس أو الهدف فإنه يلجأ إلى الشائعة كوسيلة هجوم من أجل تسوية المنافس".
وثمة نقطة أخرى يضيفها السيد الأسود وهي "البيئة التي تنشأ فيها الشائعة وما تهتم له هذه البيئة إضافة إلى الهدف من الشائعة، فالشائعة تستغل البيئة كما تستغل الهدف، ولو عدنا لمثال أوباما سنجد أن الشائعة هناك استغلّت البيئة وهي البيئة الأمريكية المتخوفة من الإسلام، واستغلّت الهدف وهو أوباما وأصوله الإسلامية" ويضيف "هنا لا بد من الإشارة إلى أسلوب جيد اتبعه أوباما لتلافي هذه الشائعة وصدها، ويمثل ذكاء في صدّ هذه الشائعة، حيث ذكر أوباما أن ما كان يرتديه في الصورة ليس سوى زي، وأنه وإن كان من أب مسلم إلا أنه اختار المسيحية، وهذا ما يجعله أسمى من الذين ولدوا مسيحيين، وبذلك فقد استطاع أوباما أن يقلب الشائعة لصالحه".
وينتقل الأسود إلى مستوى أكثر عمقاً من الشائعات وهي الشائعة الدولية ويأخذ الحرب على الإرهاب نموذجاً فيقول " الحرب على العراق بدأت أيضاً عبر شائعة منظمة، ولكن النظام هذه المرة على مستوى عالٍ، قيّض له مجموعات كبيرة إعلامية وغيرها ودول كاملة من أجل نشر هذه الإشاعة، واستغل جورج بوش والمحافظون الجدد مسألة "أسلحة الدمار الشامل" ليكوّنوا إشاعتهم".
ويخلص السيد الأسود إلى تأكيد مستويات الشائعة من الشخص إلى الفرقة إلى المجموعة إلى المستوى الدولي، ويربط بين ذلك وبين مستوى التخطيط والتنظيم للإشاعة، ويؤكد على أن " كلما تطوّرت البيئة الإجتماعية التي تحدث فيها الإشاعة، كلما تطوّر مستوى التخطيط والتنظيم للشائعة وصارت أكثر تنظيماً بحيث لا تغفل حتى أبسط العوامل وأبسط الأشياء".
الثقة بين مصدر المعلومة ومتلقيها
من جانبها تؤكد الدكتورة آمال طنطاوي على أن الشائعة في طبيعتها هي "خبر لم يتم التأكد منه، أو خبر تم تحريفه وتشويهه، أو تشويه جزء منه " وترى طنطاوي أن للشائعة " أنواعا متعددة، تبعاً لموقع مطلقها في مركب القوى، من الأجهزة المسؤولة إلى الرجل العادي" وتضرب مثلاً على ذلك بالقول " في أوقات الحروب قد تطلق شائعات تضعف من الخصم أو العدو، وتفكك من صفوفه، كما يكثر استغلال الشائعة الصراعات الاقتصادية، ونتيجة لأنه في بعض الظروف لا يمكن التأكد من صحة الشائعات فإن هذه الشائعات تكون قادرة على كسر صورة الخصم" ومثال آخر للشائعات هي " الشائعات التي تطلقها بعض أجهزة الحكم من أجل جس نبض الشارع وقياس الرأي العام، كأن يبحث جهاز ما قرار رفع سلعة ما، فيطلق الشائعة من أجل قياس الرأي العام حول هذا القرار، أو ربما من أجل تهيئة الشارع لتقبل هذا القرار في وقت لاحق". جانب آخر قد يطلق الشائعة حسب ما ترى طنطاوي هو"الجماهير، وهي تطلق الشائعات عادة كنوع من الانتقام أو إطلاق الأمنيات، أو تضخيم لبعض الأخبار المتناولة في نطاق ضيّق".
وترى طنطاوي أن أسباب تنامي هذه الظاهرة تكمن في الأساس في غياب الشفافية في انسياب المعلومات، والتأكد من صحتها، إضافة إلى غياب الشراكة الحقيقية بين الحاكم والمحكوم في إدارة وتسيير الأمور في بلد معين، لذلك فإنه في حال عدم وجود مصادر تأكيد أو نفي الشائعات بصورة موثوقة، فإن هذه الشائعات يتم تصديقها واعتبارها حقائق ومسلمات، وحتى في البيئات التي يحدث فيها انفتاح في شكل وسائل الإعلام كوجود الإنترنت والصحف والفضائيات وغيرها، تبقى الشائعة قائمة مادامت مسألة الشفافية لدى الأجهزة الحاكمة لم تحل، فيصبح عمل هذه الوسائل قائم بنسبة كبيرة على الشائعات، أي على الأخبار غير المؤكدة " وتضيف طنطاوي أن هذه الوسائل "ربما تستغلها هذه الأجهزة من أجل إطلاق الشائعات وترويجها، وتبقى المعلومات " الموثوقة " وانسيابها في يد قلة مغلقة".
كذلك تشير طنطاوي إلى مسألة الثقة بين مصدر المعلومة ومتلقيها، في تحجيم الشائعة، وتقول "مصدر المعلومة هنا ربما يكون الحاكم أو رب الأسرة أو إدارة المدرسة أو إدارة المصنع أو غيرها، والمتلقي هو من يستلم المعلومة -سواء كانت صحيحة أو شائعة- فإن كان ثمة ثقة بينهما فمن الممكن أن يتم تحجيم الشائعة، وإن لم يكن ثمة ثقة فإن الشائعة تصبح مصدر بديل للمعلومات، ومسألة الثقة تتأتى عبر التجارب المتكررة في استلام المعلومات الصحيحة أو الخاطئة". وتؤكد طنطاوي على "خطر تكرار الشائعة بالدرجة التي تصبح معها كأنها "حقيقة"، وترجع ذلك مرة أخرى إلى غياب الشفافية الذي من الممكن حين تتردد الشائعة دون أن تجد رداواضحا وشفافا عليها أن يحولها لشبه حقيقة عبر ثقة المتلقي بالشائعة، أكثر من ثقته بالمعلومة التي اختبرها وكانت مضللة".
ظاهرة تواصلية معقدة
ويرى أستاذ الإعلام د. جمال الزرن "أن الإشاعة هي الخبر بدون مصدر" وأنه "لا يمكننا مساءلة ماهية الإشاعة بعيدا عن تحديد السياقات الثقافية التي تتشكل فيها، فالإشاعة في الغرب الديمقراطي ليست هي الإشاعة في الدول النامية. وقد بات الحديث عن الإشاعة بوصفها إحدى مكونات الظاهرة التواصلية، على صلة وثيقة بالقراءة الإتصالية" ويوضح الزرن "أي أن الإشاعة تترعرع في المناخ غير الحر وأن الإشاعة يتقلص تشكلها الجماهيري وولوجها دائرة الرأي العام عندما تكون الحريات محدودة ووسائل الاتصال ضعيفة الحضور".
ويضيف "غير أننا - وهنا تكمن المفارقة - نعيش حالة من اللا تكافؤ بين الفائض الإعلامي وذلك من خلال الامتداد الأفقي لتكنولوجيات الاتصال الحديثة، وخاصة منها شبكة الإنترنت وبين تنامي ظاهرة الإشاعة ومتمماتها في المجتمع. ويبدو أن السبب من وراء ذلك هو دخول المواطن إلى دائرة خطرة تتمثل في مقدرته على صياغة ونشر المعلومة بدون مصدر وبدون إذن رسمي مسبق".
ويضيف الزرن "إن المواطن - الصحفي الذي نلتقى به في فضاء المدونات والمنتديات وخاصة في الدول التي تكون فيها التجربة الديمقراطية جنينية تحول وبشكل عفوي إلى منتج لمعلومات وأخبار بلا مصادر معلومة، كما هو الحال في مسيرة إنتاج الخبر في المؤسسات الإعلامية الكلاسيكية والقائم على مراجعة هيئات التحرير لمصادر الخبر قبل نشره للعموم. كان صاحب القرار "السلطان، الحاشية،..." هو من يذيع الإشاعة لتصفية حسابات بين تكتلات سياسية في القصر أو من أجل معرفة اتجاهات الرأي العام غير الظاهر في تلك الفترة. أما اليوم فإن من ينتج الإشاعة هو المواطن لأن الإشاعة في حاجة إلى النشر حتى تكون إشاعة، وقد مكنت شبكة الإنترنت الفرصة للعديد من الأشخاص مختلفي الاتجاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية من نشر ما يعتقدون أنه خبر في مواجهة مصادر الخبر الممأسسة عند الدولة والتي تتربع على صياغتها كما نعرف هيئات الإذاعة والتلفزيون ووكالات الأنباء، وهي عادة ما تقوم بوعي أو بدون وعي بإقصاء المواطن من العملية الإعلامية".
ويردف "وتتغذى الإشاعة من كل ما يعيق تدفق المعلومة ذات العلاقة بالشأن العام، لتشكل فضاء لمجال عمومي خفي وغير ظاهر يمكن وصفه بالموازي أي في مواجهة القراءة المؤسساتية لمشكلات المجتمع والتي تعبر عنها مخرجات الإعلام الحكومي وأطرافه. كما تتغذى الإشاعة من الإقصاء، فإذا ما لم يجد المواطن صورته وصوته في وسائل الإعلام فإنه سيبدع لكي يتواجد على الساحة حتى وإن كان الطريق إلى ذلك هو الإشاعة".
ويواصل "يمكننا اليوم الحديث عن الإشاعة عبر الوسيط أو الإشاعة الرقمية وهي تلك الإشاعة التي تتأتى بها وسائط اتصال أكثر منها وسائل الإعلام، للدلالة على كل ذلك الكم الهائل من الأخبار والمعلومات التي تقذف بها المنتديات الجماعية والمدونات الخاصة والتي كلها علامة عن وجود حراك سوسيولوجي في التعامل مع قضايا الصالح العام، ورغبة في حب الوجود للعيان والخروج من أسر الإقصاء والتهميش".
ويجمل الزرن بالقول "إن التعامل مع ظاهرة الإشاعة الرقمية يكمن في المقدرة على تشخيصها بوصفها ظاهرة ثقافية تحيلنا إلى ماهية العلاقة القائمة بين الوسيط والمتلقي والقضايا المشتركة في مجتمع معين. إن المقاربة الأمنية في التعامل مع الإشاعة خاطئة وإنما الجواب يكمن ربما في توفير الإطار الثقافي والمعرفي الصحيح للوسائط الرقمية الجديدة واعتبارها محضنة للديمقراطية والرأي الآخر قبل التعامل معها على أنها فضاء للإشاعة والفتنة، والفرقة. في النهاية فإن الإشاعة ظاهرة تواصلية معقدة عندما تغزو مجال النشر وخاصة منه النشر الإلكتروني مثل المدونات والمنتديات".









