مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
عرض لفصول كتاب "تدويل الإعلام العربي الوعاء ووعي الهوية" جزء من المقدمة والخاتمة

 

 

 

تدويل الإعلام العربي : الوعاء ووعي الهوية

 

دار صفحات سوريا 2007-256 صفحة

 

الدكتور جمال الزرن-معهد الصحافة وعلوم الإخبار

 

ملاحظة : هذا العرض مقتطف من مقدمة وخاتمة الكتاب
 

 

من إعلام الدولة إلى تدويل الإعلام العربي

 

  في البداية كان التوجه الذي يقودنا في ما نبحث وندرس قبل نشر هذا الكتاب هو تأليف دراسة عن نقد الإعلام العربي وذلك من خلال قراءة فكرية نظرية تحمل عنوان : "نقد الإعلام العربي : الفضاء والوسيط والتلقي في الثقافة العربية"، وهو أرضية لمشروع فكري طموح يتناول في مؤلف آخر مستقل إشكالية " أنثروبولوجيا الاتصال : صلة القرابة بين الوسيط والثقافة". عندما بدأنا في تحرير فصول ذلك المشروع البحثي الفكري وصياغته طفت على السطح وبشكل متزامن أحداث وإشكاليات إعلامية ظرفية لكنها محددة في المشهد الإعلامي العربي الجديد. هذه الأحداث هي الهجوم على برجي التجارة لسنة 2001، والحرب على العراق لسنة 2003. أما الإشكاليات الإعلامية المعاصرة فقد تجسدت خاصة في تأثيرات التغطية الإعلامية للحرب على العراق والتي تحولت أصداؤها وبشكل متسارع إلى مختبر ومحك إستراتيجي وسياسي فائق التأثير في كيفية فهم الإعلام والاتصال من جديد. قبل الحرب وبداية من سنة 2002 صدرت مجوعة من تقارير التنمية العربية نذكر منها خاصة تقرير 2003 والجدل الذي أثاره في تشخيصه للإعلام العربي ومجتمع المعرفة. في سنة 2004 وبالاعتماد على ذات التقرير أطلق مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير ومعه كل الرفض والقبول والسجال الفكري والسياسي الذي تبعه عن نقد حال الإعلام والاتصال ومكانة العرب في مجتمع المعرفة وقضايا الإصلاح والديمقراطية.

  كان خيارنا أن نتفاعل مع كل تلك القضايا من خلال المشاركة في الندوات والكتابة في الصحافة اليومية والنشر في المجلات العلمية. وبالتوازي كانت سيرة هذا الكتاب وفصوله التي هي في الأصل دراسات علمية منفصلة تنضج وهي تغلي عبر البحث والملاحظة اليومية التي لا تهدأ كما يغلى الإعلام العربي على موقد نار تلك الأحداث. تأجل مشروع الكتاب الفكري عن نقد الإعلام العربي لأن دراسة الواقع المتغير لا تقبل التأجيل وتحولت متابعة وقراءة تلك الأحداث إلى هم تراكمي في شكل مغامرة في نشر مقالات صحفية وعلمية تواكب هذه الظواهر الإعلامية والاتصالية. فالكتابة عنها وتفاعل المثقف معها تبدو لنا بمثابة معارك فكرية ليست قابلة للتجاهل أو التأجيل أو اللامبالاة. بدت لنا تلك الإشكاليات مهمة ولها نفس القيمة الفكرية والنظرية لمشروع كتابنا النظري بل إن دراستها قد تمهد لنا الطريق لتأسيس فكر اتصالي عربي يأخذ من المتغير منطلقا للوصول إلى مجموعة من الثوابت.

  مثل تلك الأحداث ظهرت لنا في بعدها الميدياتيكي أنها عرضية غير أننا تفطنا عبر البحث أن الإشكال أعمق من ذلك وذا خلفيات منهجية وفكرية واكتشفنا بأننا عدنا من حيث بدأنا وأن ما نكتبه من مقالات ما هو إلا مدخل إمبيريقي مسحي نقدي لمشروع الكتاب الفكري الذي أجل في قراءة حينية تتسم بالكتابة الطارئة. إنه تشخيص للواقع من زاوية إعلامية قبل الغوص في نقد مسيرة الإعلام العربي والانطلاق مهللين في فضاءات التجريد الفكري والنظري. فما تناولناه من عرضي في الإعلام العربي في شكل دراسات معزولة بات عنصرا محددا في الإعلام العربي الذي كنا نؤسس لنقده في مؤلف متماسك ومستقل. فكأننا بالإعلام العربي هو ذلك المتحرك الذي نبحث له عن ثوابت فكرية وسياسية وتاريخية وأن القليل الظاهر من أساسيات الإعلام العربي تصطدم يوميا بذلك الكم الهائل من المتغيرات والمؤثرات المحلية والدولية. أصبح البحث في المقال صياغة للكتاب وليس علينا إلا إيجاد الخيط الرفيع والرابط المنهجي والفكري للأثر. هكذا غامرنا في نشر هذا المؤلف بعد أن اكتشفنا من التاريخ أن بعض الكتب هي في الأصل مقالات علمية مفصلة، وأن المقالات العلمية التي تعالج ظواهر عرضية من زاوية فكرية هي مشاريع مستقبلية لكتب قد تكون ذات قيمة. 

يهدف الكتاب-انطلاقا من النزاهة العلمية-إلى إعاقة خطاب الإجماع والرضا عن حال الإعلام العربي وكبح جماحه وهو يتلون يوما بعد يوم. فلا مجال للمجاملة لقد ولى عهد التعميم والارتجال. ويمكن تلخيص موقف أهل الإجماع والرضا في قولهم إن الإعلام العربي ومعه المشهد الاتصالي يعيشان مخاضا كبيرا منذ بداية هذه الألفية به بشائر صحة وعافية تؤذن بحدوث قطيعة إبستمولوجية إعلامية، إن كان ذلك على مستوى الفكر أو على مستوى الممارسة. هذا الحراك فسر وبشكل متسارع على أنه تحقيق لمكاسب فكرية وسياسية للإعلام العربي. إن الحراك الداخلي للإعلام العربي ومهما كانت الإضافات الظرفية المستهلكة التي حققها لا يعنى بالضرورة أنه على المستوى المعرفي والإستراتيجي مولدا لشيء إيجابي بالضرورة. نقدا وتعديلا لكفة الحوار والجدل القائم حول واقع ومستقبل الإعلام العربي نريد تصحيح هذا الإجماع العفوي والمتكرر غير البريء. كما نريد أيضا أن ندخل خطابا خلافيا بناء حول ماهية العوامل الفاعلة والمؤثرة في مكونات هذا المخاض العسير.

اتفق أغلب أهل الشأن بأن مصادر هذا التململ الإعلامي العربي أحتد مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والحرب على العراق 2003 وتقارير التنمية العربية ومشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير للدول الثمانية الغنية 2004. كل هذه الأحداث هي عبارة عن مثير خارجي يعصف بمكانة العوامل الداخلية والذاتية في الشأن العام العربي وفي المشهد الإعلامي. وتزامنت كل هذه العوامل والمحطات بثورة اتصالية وتكنولوجية هائلة تحولت معها المعرفة من الهرمية إلى الشبكية. كما أن تأخر الدولة التدريجي في الاستئثار بملكية وسائل الإعلام والاتصال والتقدم غير المنتظر للقطاع الخاص في الاستثمار في مجال الإعلام وخاصة في القطاع السمعي البصري قد أعطى بسرعة ثماره. وأثار حضور القطاع الخاص والتقنية الرقمية الجديدة جملة من القضايا الإعلامية لعل أحرجها إشكالية هيكلة وتنظيم الإعلام والاتصال. فالإعلام الخاص والثورة الرقمية لا يمكن الإشراف عليهما وإدارتهما بذات آليات إعلام الدولة الكلاسيكي القديم. فتعددت الخلفيات والمرجعيات في فهم الهيكلة التي على أساسها يمكن أن يجتمع الناس على إدارة الفضاء الإعلامي والاتصالي في تمظهراته الجديدة بوصفه فضاء عاما.

القطاع الخاص في الإعلام أو الإعلام الخاص أو ملكية القطاع الخاص للإعلام أصبحت حصيلة عربية منذ أن بدأت أغلب الدول في منح امتيازات لتأسيس فضاءات إعلامية خاصة. لا يمكن لأي غيور على الحرية الإعلام إلا أن يبارك هذا الإنجاز المتأخر. غير أن العبرة المعرفية تكمن في الإضافة وليس في الإجراء. هكذا يصح لنا اليوم وبعد كل الوقت الذي انقضي أن نتساءل ماذا أضاف الإعلام الخاص في المشهد الإعلامي العربي؟ هل تراجعت الدولة لتأسس إعلام دولة بالوكالة؟ كيف يمكن أن نميز بين إعلام الدولة وإعلام القطاع الخاص؟ أين القطيعة وأين التواصل في الإعلام العربي والإعلام الخاص يفوق إعلام الدولة كميا؟  كل هذه الأسئلة نجد لها أصداء مختلفة في الفصول الأربعة لهذا الكتاب.

كما يهدف هذا الكتاب أيضا إلى إبراز دور المثير الخارجي وأهميته في المتغيرات والتمظهرات الجديدة التي تعصف بالإعلام العربي فالعوامل الخارجية والتي تتمثل بالأساس في الدبلوماسية العامة ودور الصحافة المدنية وهي كلها ذات مرجعيات أمريكية تعتبر أحد أهم المحددات في مستقبل الخارطة الإعلامية في الوطن العربي. وتعترف الولايات المتحدة الأمريكية جيدا وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن صورتها في العالم العربي تعاني من مشاكل هيكلية وتاريخية وسياسية عميقة تحولت إلى عائق أمام انتصار الإستراتيجية الأمريكية بعد الحرب الباردة لتأسيس مقولة أحادية القطب الأمريكي في إدارة العالم. رغم تعرض صورة أميركا في أكثر من منطقة في العالم طيلة القرن المنقضي إلى عديد الهزات فإنها تدرك وتقر بوجود خصوصية عربية إسلامية في نصاعة صورة أمريكا في هذه المنطقة من عدمها، لعل قضية الصراع العربي الإسرائيلي الممتد منذ أكثر من نصف قرن سببا مباشرا في ذلك. لذلك ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر أطلقت الولايات المتحدة حملة دبلوماسية عامة واسعة النطاق لتحسين صورتها في العالم العربي الإسلامي متكئة على الإعلام.

جاءت عصارة هذه النظرية التي تربط بين الإعلام الجديد والدبلوماسية العامة في ثوب جديد أيضا في كتاب مشترك صدر في ديسمبر 2004 يحمل عنوان : "جذب العالم العربي الإسلامي من خلال الدبلوماسية الشعبية : تقرير وتوصيات" أشرف عليه وليام رو وهو سفير سابق شغل عديد المناصب الدبلوماسية في الشرق الأوسط وعضو مجلس الدبلوماسية الشعبية الأمريكي[1]. يعرف وليام رو في المقدمة الدبلوماسية العامة بقوله : " تقديم المعلومات إلى وجذب والتأثير على الشعوب من أجل تعزيز مصالح الدول". فالهدف من الدبلوماسية العامة هو شرح السياسة والثقافة الأمريكية لشعوب العالم من ناحية ومساعدة الإدارة الأمريكية على فهم الرأي العام الأجنبي من ناحية أخرى. في نفس المؤلف قدم شلبي تلهمى الأستاذ بجامعة ميرلاند وهو عضو المجموعة الاستشارية للدبلوماسية الأمريكية للعالم العربي الإسلامي دراسة تحت عنوان " الوصول إلى الجماهير في الشرق الأوسط" . يحلل صاحب هذه الدراسة تطور صورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وكيف أنها بعد أن كانت راعية الحرية والسلام في العالم وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت بعد حرب أفغانستان والحرب على العراق ومساندتها الدائمة لإسرائيل دولة تمارس الإرهاب. ويقول تلهمى: إن أمريكا اعتمدت في الماضي على التحالف مع الأنظمة الشمولية الدكتاتورية بالمنطقة مراهنة بذلك على مقدرة الحكومات على السيطرة على شعوبها. إن تحالف هذه الحكومات (أي العربية) مع أمريكا في حربها على العراق (سرا أو علنا) أدى إلى انتشار كراهية أمريكا لدى شعوب المنطقة وفي نفس الوقت أضعف سلطة الحكومات المحلية هذه. هكذا أدركت الدبلوماسية الأمريكية أن عليها أن تفرق بين دبلوماسية الحكومات ودبلوماسية الشعوب وأنه عليها إن أرادت أن تحافظ على مصالحها أن تختار وتستهدف أسلوب الدبلوماسية الشعبية لكسب عقول الشعوب العربية والإسلامية بل وربما تغيير السياسيات الأمريكية لكسب ود هذه الشعوب. لبلوغ ذلك الهدف يكون رأس الحربة في هذه الإستراتيجيات هو استهداف الإعلام المحلى ومساعدته عبر الجمعيات الأمريكية الحكومية وشبه الحكومية وعبر الإعلام الأمريكي الوافد مثل "الحرة" و"سوا" و"هاي". وهذا ما نعنى به تدويل الإعلام العربي. 

ويحتوى مشروع الحملة الأمريكية على عناصر ومحاور مختلفة ومتداخلة يصعب حصرها وذلك لتداخل دور الهيئات الفدرالية مع المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية وشبه الحكومية ومن بين المحاور يمكن ذكر مصطلح الصحافة المدنية أو الصحافة العامة[2]. يسعى هذا البرنامج إلى الوصول بالإعلام العربي إلى مستوى من الأداء المهني المحترف فالقطاع الصحفي والإعلامي لا قيمة له إذا لم يتسم بالديمقراطية والمسؤولية والاستقلالية وهو ما يعنى ضرورة التشبع التام بالمهنية من خلال توفير آليات مراقبة للصحفيين لضمان قطاع يتميز بالمسؤولية الذاتية في احترام سياسات التحرير. في إطار هذا المفهوم فإن الصحافة العامة أو المدنية لا تعنى حسب المفهوم الأمريكي صحافة الشعب أو الدولة بل صحافة الصحفي وذلك من أجل ضمان الاستقلالية والإدارة الذاتية للإعلام أي أن تكون الصحافة تحت سيطرة وإدارة صحفيين محترفين. لبلوغ هذا على الصحفي الجديد أن يلتزم بميثاق الشرف الصحفي وأخلاقيات العمل الإعلامي وأن يكون له تكوين إعلامي يدفعه إلى التمسك والدفاع عن المهنة بمسؤولية وأن يحتكم إلى أخلاقيات ممارسة مهنة الصحافة. ويرى منظرو الصحافة العامة أن هذه النظرية ليست حكرا على الغرب بل هي ضرورة حتمية لكل الأنظمة الإعلامية في العالم ومنها منطقة الشرق الأوسط الكبير.

من ثنائية الإعلام والتنمية...

بالعودة إلى أدبيات علوم الإعلام والاتصال في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة توجد علاقة خصوصية بين الاتصال بمفهومه النظري التجريدي وتجلياته الوظيفية التجريبية. فقد استغلت وسائل الإعلام في دفع قيم التقدم إلى الأمام أي إلى مراتب بلوغ التنمية والتحضر. وتذهب بعض الدراسات إلى تحديد طبيعة المجتمع بالنظر إلى مستوى العلاقة بين التنمية والاتصال أي سيرورة انتقال المجتمع من الحالة "التقليدية" إلى الحالة "التحديثية". إذ لا يمكن للمجتمعات المتخلفة أو التقليدية أن تستوحي نموذجا في التقدم إلا بمحاكاة وبالعودة للنموذج الغربي. وقد عرفت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي تميزت بتقسيم العالم إلى نموذجين متناقضين الشرق/الغرب اتجاها في الدراسات الاتصالية الغربية ينطلق من مفردات كالإعلام الدولي والعلاقات الدولية لتصدير "نظرية التحديث" والتي يعاد طرحها من جديد وخاصة بعد أحداث 11 /09 من زاوية الديمقراطية والتي لا يمكن تصديرها هي الأخرى بعيدا عن وسائل الإعلام.

إن الإعلام التنموي ودوره في نهضة وتحديث المجتمعات المستقلة حديثا هو أحد المفاهيم التي راجت بشكل مكثف في دول العالم الثالث والدول العربية في الستينات والسبعينات من القرن المنقضي ودور هذا الإعلام هو المساهمة الفعالة في النهضة الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية لدولة ما بعد الاستقلال. فالإعلام التنموي أعتبر الساعد الأيمن في مشروع بناء مؤسسات الدولة وقد أستغل الإعلام التنموي بشكل فاحش عندما تحول إلى يومنا هذا إلى مدخل سهل لدول العالم الثالث لاحتكار الإعلام. فبحكم إشراف الدولة على بناء المؤسسات وأن هذا البناء لا يستقيم في غياب إعلام يساهم في عملية التنمية فإن الدولة المؤمنة على عملية البناء تعتبر الجهاز الوحيد الذي يمكنه أن يمتلك المؤسسات الإعلامية حتى لا تقع بين أيدي المشككين والغيورين وحتى لا تحيد مشاريع التنمية عن مسارها الصحيح في توفير الرفاهة للشعب.

أثرنا هذه الإشكالية للقول أن التنمية البشرية سيرورة دائمة في حاجة إلى إعلام تنموي بمثل ذات حاجة التنمية البشرية إلى مجتمع مدني ينهض بمؤسسات المجتمع الحديث والذي يراد له أن يكون مجتمع معرفة (الفصل الثاني). فكيف يمكن تحقيق التنمية البشرية في غياب إعلام تنموي فوعاء التنمية البشرية هو الإعلام التنموي أو لا يكون. لذلك نقول أن التركيز الغربي في فهم التنمية على البعد التقني في الإتصالات والإعلام قد يحولهما إلى نشاط اقتصادي احتكاري أكثر من كونهما مجموعة من الوسائط لبلوغ مجموعة من الأهداف تتمثل أساسا في التنمية البشرية عبر مجتمع يسوده الحكم الصالح والمبادرة الفردية وتشريك المرأة والتعليم العصري.

إن مثل هذه الأهداف التنموية تصبح صعبة التحقق إذا ما تحول الإعلام والاتصال في قبضة الشركات الاحتكارية الكبرى تتنافس لتحقيق الأرباح طبقا لقانون البورصة وسوق الإتصالات وتصبح أيضا هي المحدد الرئيسي والمصنع الوحيد للثقافة الاستهلاكية التي لا يمكن أن تنافس إنتاج الشركات المتعددة الجنسيات الرابضة في هوليود. مثل هذا التصور سيحول الإعلام إلى وسيلة ترفيه وتسلية ربحية عبر برامج هابطة يصعب حصرها ومراقبتها لا نعرف لها أية أولوية وطنية أو قومية. فعديد الوقائع تظهر لنا يوميا أن الإعلام العربي مثلا ورغم المكاسب الكمية التي حققها فإن الكيف قد بات محتشما إن لم نقل غائبا. فتحرير الإتصالات والإعلام حتى في الدول الديمقراطية مثل فرنسا لم يترسخ إلا في بداية الثمانينات أي مع صعود الاشتراكيين إلى الحكم بقيادة ميتران. إن التحرير الكلى للإعلام والاتصالات في الدول النامية سيغير من سلطة الدولة على وسائل الإعلام من سلطة مباشرة إلى هيمنة الدولة بالوكالة.

إن دول العالم الثالث هي الوحيدة القادرة على تقييم مهام ودور الاتصال طبقا لأولوياتها فالدول الغربية كسبت معركة الإعلام والاتصال منذ زمان عندما كسبت أولا معركة الديمقراطية وحرية والتعبير والتداول على الحكم. فعندما تخلت الدول الغربية عن وسائل الإعلام لم تتخلى عنها إلا بعد أن رسخت تقاليد مجتمعية وأخلاقيات مهنية وثقافة سياسية هي التي تراقب الإعلام وتثق فيه. إن التخلي القهري عبر الضغوط الخارجية أو منح امتيازات خاصة للإعلام وللاتصال في واقع متخلف كما تسعى إلى ذلك المنظمات الغربية شبه الحكومية ستكون له انعكاسات سلبية مضاعفة على مستقبل تلك المجتمعات. كما أن ملكية الدولة المطلقة لوسائل الإعلام لن توفر أية فرصة لتحقيق التنمية البشرية. لا توجد وصفة سحرية بل ضرورة تحويل قضية الإعلام والاتصال إلى قضية وطنية وقومية كشرط أولي لأية إمكانية تعريف وتحديد ماهية الإعلام المنشود والمجتمع الحديث المنتظر.

لنعود إلى دور وسائل الإعلام في تشكيل صيرورة العلاقات الدولية وخاصة عن علاقة الغرب "المتحضر" بالآخر "المتخلف" إلى الدراسة التي كان وراء إنجازها في الستينات من القرن الماضي الإذاعة الأمريكية الحكومية "صوت أمريكا" والتي أشرف عليها "مكتب البحوث الاجتماعية التطبيقية" بجامعة كولمبيا الذي كان يديره عالم الاجتماع المهتم بعلوم الاتصال لازرسفيلد. كان موضوع هذه الدراسة هو تقييم تعرض مجموعة من الفئات المحددة وضمن منطقة عرفت بالاضطرابات وغياب الاستقرار السياسي، ألا وهي دول منطقة الشرق الأوسط وإيران عن مدى تفاعل سكانها مع قضاياهم المحلية والدولية انطلاقا من تأثرهم بوسائل الإعلام ذات الانتشار الدولي مثل "البى بى سى"، "صوت موسكو"، و"صوت أمريكا". صدرت نتائج هذه الدراسة المقارنة الهامة تحت عنوان "تجاوز المجتمع التقليدي : تحديث الشرق الأوسط"  وذلك سنة 1958.[3]

وقد اعتمدت فارتكزت هذه النظريات على قاعدة أن الخروج من التخلف يحدث بصورة خطية عبر تجاوز مكونات المجتمع التقليدي والالتحام عبر المحاكاة والتطابق مع المجتمع الحديث القائم على التنمية والذي يمثله الغرب. ففي المجتمع التقليدي تنمو وتترعرع العديد من معوقات النهوض والتطور بينما يملك المجتمع الحديث كل عناصر الوصول إلى بلوغ الطموحات المرجوة من حرية ورفاهية وتقدم.  وتعتقد هذه التصورات أن التراجع عن قيم المجتمع المتخلف وعاداته البالية والمرور إلى مرحلة اعتناق وتبنى قيم المجتمعات الحديثة لن يتحقق إلا بشرط أن يقبل كل مجتمع ناشئ اجتياز مراحل التطور ذاتها التي عايشتها مجتمعات الحداثة الغربية والتي كانت وإلى فترة تاريخية محددة تشبه مجتمعات الدول المتخلفة أو النامية. في هذا الإطار يقع تنزيل دور وقيمة ووسائل الإعلام كوسيلة ناجعة في كل مراحل التحول والتحديث الاجتماعي التي ذكرت والتي تستهدف حلحلة بني تلك المجتمعات الراكدة. فهي تبدو-أي وسائل الإعلام-حاملة بالضرورة لوهج الحراك الاجتماعي وذلك من خلال قدرتها على التأثير المباشر في سلوك الأفراد والمجموعات. هذا على مستوى الرسالة والمضمون أما فيما يتصل بالتقنية الاتصالية فإن تصدير تكنولوجيات الإعلام والاتصال كفيل بتحقيق النمو والتحول الذي عليه أن يكون في متناول كل فرد، انطلاقا من حيادية التقنية الاتصالية.

وعلينا وضع كل هذا الجدل في سياقه التاريخي والذي يمكن تأطيره ضمن سياقات عهد الحرب الباردة وكيف تميزت هذه الفترة بحرب القيم والأفكار والنماذج الاجتماعية القائمة على خلفيات إيديولوجية هي بين الليبرالية/الرأسمالية بقيادة الغرب والشيوعية/الاشتراكية بقيادة الإتحاد السوفيتي سابقا، وقد لخص لنا حصيلة هذا الصراع الساخن إعلاميا ريجيس دوبريه عندما قال أن قيم الماكدونالدز والمارلبورو، ورعاة البقر وأفلام هوليود انتصرت مع سقوط جدار برلين على شعارات الطبقة العاملة، وقيادة الحزب الشيوعي والعدالة الاجتماعية المطلقة.

لقد واجهت نظرية توزيع ونشر القيم نقدا جريئا من نخب غربية يمكن أن نذكر من بينهم، أرمان ماتلار في علوم الإعلام، والمفكر الفرنسي آلان توران وكتابه "نقد الحداثة"، ومثقفين من دول العالم الثالث كسمير أمين. وكانت قاعدة نقدهم ترتكز على كيفية الاعتماد على علاقات القوة داخل المجتمعات التقليدية وطبيعة النظم السياسية : القبلية، العشائرية، الأسرية. في الأصل لم تكن كل تلك الانتقادات لتصدير التنمية قائمة على ذات الخلفية الفكرية والسياسية السائدة اليوم والمتمثلة في رفض التغيير والتحديث لدى البعض باسم الخصوصيات المحلية، ومكونات الهوية (الدين)، وطبيعة المجتمع.

إن الهدف من هذه الوقفة التاريخية عن خلفية ثنائية الإعلام والتنمية في الستينات من القرن الماضي تمكننا من تتبع كيفية توظيف الغرب لوسائل الإعلام في إحداث التغيير وليس فقط التأثير في الآخر وإمكانية اندماجه في نسق وآليات الثقافة الغربية القائمة على قاعدة الحداثة. وتحيلنا هذه العلاقة التكاملية بين الوسيلة (الإعلام) والرسالة (التنمية) إلى ما نطلق عليه بالعلاقة بين الوعي والوعاء أي بين الوسيط والتلقي، كمحدد في بيان ملامح هوية أي مجتمع. إذا كانت ثنائية الإعلام والتنمية تعتبر الوصفة السحرية لخروج دول العالم الثالث من حالة التخلف والالتحاق بدرجة ما من التحضر فإن الخطاب السياسي والإستراتيجي لما بعد الحرب الباردة وأحداث الحادي عشر من سبتمبر أصبح يأخذ من ثنائية الإعلام والديمقراطية نهجا في إحداث التغيير وتسويق مبادئ وقيم المجتمعات الغربية وخاصة في المنطقة العربية. إذن فخطاب الإعلام الغربي اليوم في علاقته بالآخر الذي كان "متخلفا" أصبح حديث عن الآخر "غير الديمقراطي"، فهو حديث ليس في عزلة عن موروث بحثي/فكري وإستراتيجي/سياسي عن كيف يمكن توظيف وسائل الإعلام والاتصال لنشر قيم التحضر والتقدم في جسد المجتمعات التقليدية. ألم يكن شعار العدالة المطلقة والحرية من بين أهم شعارات تبرير غزو العراق. 

قد تبدو لنا هذه الخلفية التاريخية عن علاقة الإعلام بنشر القيم والتي تستهدف تحويل التقدم إلى قضية دولية وليست غربية محلية محاولة تأسيسية فيما تشهده حركة الإعلام الغربي من سعي في نشر قيم الديمقراطية حتى وإن كانت على ظهر الدبابات أو أن يكون رأس حربتها مراسلو وصحفيو وسائل الإعلام الغربية وذلك باسم نشر وزرع الديمقراطية. لنتتبع كيف تبدو العلاقة بين الديمقراطية والإعلام بعد أن طويت صفحة التنمية وانفرد الغرب بالعلم والتقنية والتجارة بفضل الديمقراطية ومركزيتها الغربية.

إلى ثنائية الإعلام والديمقراطية

كانت وسائل الإعلام الحرة تاريخيا في العالم إحدى أهم قوى النضال ضد الأنظمة الدكتاتورية والقمعيّة وإحدى أنجع الوسائل في تحول تلك الأنظمة إلى أنظمة ديمقراطية تحررية ومنفتحة. حدث هذا بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة في أوروبا : ألمانيا، إسبانيا أو اليونان. لكن بعد نهاية الحرب الباردة أصبح التحول باتجاه الديمقراطية يحدث خاصة وبشكل متزامن مع رغبة في تحرير الأسواق وهو ما يعرف بالعولمة، وقد كانت جمهوريات الإتحاد السوفيتي مسرحا لهذا النوع من التحول. أما المنطقة العربية وبحكم عدة خصوصيات تاريخية وثقافية وسياسية فإنها كانت وبشكل من الأشكال مستثناة أو في قائمة الانتظار لدخول عهد ثنائية الإعلام والديمقراطية التي لا مناص لأية نهضة من توافرها. فبناء وسيلة إعلامية مستقلة ومسؤولية من خلالعملية تطور داخلية تحتاج إلى عقود من الزمن في بلدان لم يكن لديها تقاليد في التفاعل الحر والسليم مع الرأي الآخر والديمقراطية.

فقد بدأت الولايات المتحدة أول ما بدأت بدعم وتعزيز إعلام دول أمريكا اللاتينية لكنها أوقفت هذه المساعدات في بداية التسعينات لتتجه فيتحول محور تدخلها وفي ذات الفترة إلى دعم دول أوروبا الشرقية، وبداية من هذه الألفية إلى الشرق الأوسط الكبير. ترى الإدارة الأمريكية أن أغلب دول أمريكا اللاتينيةقد تحولت نحو الديمقراطية، باستثناء كوبا، لكنها لا تزال تقدم لعديد الدول بعض المساعدات النوعية الإسنادية لإعدادتقارير صحفية وتحقيقات هامة وضرورية لمواجهة قضايا مثل الفساد والمخدرات والجريمة.

أثناء انتخابات 2005 في جمهورية كرغيزستان وهي إحدى جمهوريات الإتحاد السوفيتي سابقا انتبه العديد إلى سر الحضور الأمريكي في هذه الجمهورية وفي غيرها من الجمهوريات الأخرى فتفطنوا إلى تأسيس الوكالة الأمريكية التنمية الدولية لمطبعة، ضمن برنامج صُمم لتعزيز قيام وسائل إعلام حرة وديناميكية في هذا البلد. أمنّت وزارة الخارجية الأميركية إذن تمويل مطبعة جديدة بالألوان كما أمنت أيضا دورات تدريبللصحفيين الكرغيزيين. ابرز المشروع بصورة ملموسة كيف أن تعزيز وسائل الإعلامالمستقلة والحرة يمكن أن يتحول إلى عنصر جديد وهام في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وفي دفع عجلة  التحول الديمقراطي في هذه الدول.[4]

تدعم وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية،بالإضافة إلى الاستثمارات المادية المباشرة مثل تأسيس مطبعة في كرغيزستان، حرية الصحافة عنطريق تمويل برامج للتدريب في قطاع وسائل الإعلام. دعم هذا التمويل في سنة 2003 مثلاً برامج المركز الدولي للصحفيين لتدريب المحترفين في الصحافة المكتوبة ووسائل الإعلام الأخرى، في كل من أذربيجان وكازاخستان. اطلع  المشاركون في هذه البرامج على أخلاقيات المهنة، وفنون التحقيقات الصحفية، وكيفيةالمحافظة على الاستقلالية في مواجهة ضغوط الدولة ومجموعات النفوذ والمصالح الخاصة بشكل لا يعيقحرية الصحفي في التعبير عن الرأي وأداء عمله على أحسن وجه. وقدم برنامج آخر للمركز الدولي للصحفيين الذي تمولهوزارة الخارجية الأمريكية مجموعة من ورش العمل في جنوب شرق أوروبا لتحسينقدرات الصحفيين في الكتابة في قضايا لها علاقة بالاتجار بالنساء والفتيات. كما نفذ برنامج آخر مولتهالوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وأشرفت عليه منظمة انترنيوز-وهي مؤسسة دولية هدفها تعزيز وسائل الإعلام المستقلة في الديمقراطيات الناشئة-برنامجا لتدريب صحفيين من كمبوديا واندونيسيا على كيفية  إعداد تحقيقات صحفية مستقلة وغيرمتحيّزة.

في المنطقة العربية جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب على الإرهاب والعراق ومشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير معلنة بضرورة التدخل من أجل تحريك الأنظمة العربية من الداخل وحماية المصالح الأمريكية في الداخل والخارج. غير أن دور وسائل الإعلام في دفع المسار الديمقراطي في الدول النامية أو حتى في الدول المتقدمة غير كاف. في الواقع يصعب التنبؤ بنتائج مزج العملية الإعلامية بالقضية السياسية في المجتمعات التي تفتقد إلى أرضية ومرجعية سياسية في العمل السياسي والديمقراطي، حيث تظهر وبشكل مختلف أثناء وبعد المرور إلى الديمقراطية وفي صور جديدة قوى رجعية مجسدة في فكر وشبكات محلية أو دولية مثل قضية الطائفية والفقر والعنصرية والإرهاب والجريمة المنظمة والشركات الاحتكارية واللوبيات في مختلف أشكالها وهي كلها علامة قد تؤثر على أداء الديمقراطية ومعها وسائل الإعلام (العراق/أفغانستان/لبنان...). إذن فلا يمكن للإعلام الحر أن يكتفي بترسيخ ركائز حكم ديمقراطي بل الأهم من ذلك هو حمايته والدفاع عنه.

وسط هذا المناخ الجيوسياسي المتقلب منذ انهيار جدار برلين انفردت الولايات المتحدة ومعها العالم الغربي بإدارة مستقلة لمختلف الصراعات ولأوجه العلاقات الدولية. فهي تحاول حسب أدبياتها مساعدة البلدان النامية وخاصة منها تلك التي تعيش مرحلة انتقالية الوصول بأمانً نحو شاطئ الديمقراطية بالاعتماد على الإعلام الحر والمستقل. لذلك سعت الولايات المتحدة إلى مساعدة وإنشاء، وتدريب، وحماية الصحف،والإذاعات ومحطات التلفزيون الحرة والمستقلة في أكثر من دولة. فهي تظن راسخة حسب تصور الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أنه من الضروري مساعدةوسائل الإعلام المستقلة لكي تلعب دورين رئيسيين: دور "الرقيب الحارس" على الحكوماتودور توعية الناس حول القضايا التي تؤثر في مجرى حياتهم."[5]

بين عامي 1990 و2001، أنفقت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وهي مؤسسة من بين العشرات التي تعمل في نفس هذا التوجه270 مليون دولار أميركي لمساندة وسائل الإعلام الحرة في الكتلة السوفيتية السابقةوفي البلدان النامية. وصرفت حوالي 182 مليون دولار من هذا المجموع في أوروباالشرقية والبلدان التي كانت في دائرة فلك الإتحاد السوفيتي سابقاً، بما في ذلك حملات نظمتها وسائل إعلامية مستقلة في صربيا والبوسنة قبيل هزيمةالرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش في انتخابات سنة 2000، بعد أن كان سببا في حروبدموية في كرواتيا، والبوسنة، وكوسوفو. لتنفيذ مثل هذا البرنامج أرسل صحفيين وأكاديميين أميركيين من قبل وكالة الإعلامالأميركية، وهي وكالة تم دمجها في وزارة الخارجية الأمريكية لتدريب المراسلين، والمحررين،والمذيعين في نيجيريا، وغينيا، وساحل العاج، وإلى ما يزيد عن عشرة بلدان أخرى كانت في مرحلة تحول من نظام حكم الحزب الواحد إلى نظام انتخابي تعددي وبرلماني يبشر بميلاد ديمقراطيات جديدة.

لا يختلف نهج تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع وسائل الإعلام والصحفيين في المنطقة العربية والإسلامية عن ما قامت به مع دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. رغم أن الصورة التي أصبح عليها الإعلام والديمقراطية  في هذه الدول لا تشبه حال الإعلام الأمريكي والديمقراطية الأمريكية فإنها على الأقل قطعت مع النموذج السلطوي إبان الحكم الشيوعي في أوروبا الشرقية أو حكم الجنرالات في أمريكا اللاتينية. كيف سيكون عليه المشهد الإعلامي العربي من خلال التدخل الأمريكي في إرساء إعلام حر ومستقل كشريك في مشروع الانتقال الديمقراطي في الشرق الأوسط. هذا ما نعنى به تدويل الإعلام العربي أي تدخل جهات أجنبية على خلفية قناعات سياسية أو اقتصادية أو إستراتيجية لإعادة صياغة السياسة الداخلية انطلاقا من التركيز المضاعف على زاوية الإعلام الحر والمستقل.

رغم ما قد توفره مثل هذه البرامج للإعلام العربي من دعم ومساندة وتطوير داخلي إيجابي فإن البعض يخشى من أن تحرم مثل هذه البرامج المسقطة على الإعلام العربي من فرص النمو والتحرر بشكل مستقل انطلاقا من تاريخه المختلف وواقعه المعقد وتحدياته المنتظرة. كما يمكن لأسلوب التدخل الخارجي أن يحرم أيضا الإعلام العربي من النشأة والتطور الذاتي بعيدا عن التأثير القوى للمثير الخارجي الذي مهما كانت حسناته فهو يخدم في المستوى الأول مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. إن إعادة هيكلة وقراءة مكونات العملية الإعلامية في الشرق الأوسط ليست بالعملية الخفية بل هي سلم اهتمامات النخب الأمريكية المعنية بقضية الشرق الوسط وإعادة صياغة المنطقة رغم أن أهل القرار من العرب لا يفردون هذا الملف الأهمية التي يستحقها. لا نريد أن نفرد تقييما لما آل عليه الإعلام في أمريكا اللاتينية أو أوروبا الشرقية لنرفض مشاريع الإصلاح الإعلامي في المنطقة العربية ففي هذا السياق يمكن أن نوجز الحصيلة في ما يلي : قل ما شأت (الصحافة) ودعني أفعل ما أشاء (السلطة التنفيذية). هكذا أصبح حال الإعلام في مثل هذه الدول عبارة عن ديكور لديمقراطية تتحكم فيها قوى ضغط ولوبيات عرقية أو سياسية أو اقتصادية أو حتى من المافيا (المخدرات، تبييض الأموال...). يعود السبب في ذلك إلى غياب دولة القانون والمؤسسات وخاصة إلى غياب قضاء مستقل وقبل كل شيء غياب العناصر الأساسية لحياة كريمة العمل، المسكن والصحة والتعليم وهي كلها عناصر تمثل مفهوم التنمية.

إن برامج دعم وسائل الإعلام التي تمولها وزارة الخارجية والوكالةالأميركية للتنمية الدولية تشمل أربعة محاور. يهتم المحور الأول بتعليم مهنة الصحافة، حيث يُرسَل الصحفيون والأساتذة الأميركيون إلى الخارج للقاءالصحفيين العاملين في دولهم حول فنون الكتابة الصحفية، والدقة، والتوازن، والإنصاف، وجمعالمعلومات، والكتابة بوضوح، والفصل بين التعليق والخبر، وحماية مصادر المعلومات. ويلقن هؤلاء المبشرين للصحفيين الأصليين أيضاً كيفية معالجة القضايا الحساسة كالنزاعات الإثنية والعرقية والطائفية،وحقوق المرأة، ومرض الإيدز. فحسب وزارة الخارجية الأمريكية  يُرسل الصحفيين والمحررين الأميركيين إلى الخارج لتعليم المبادئالأساسية للصحافة الحرة مثل الموضوعية والدقة والإنصاف وليس للدفاع عن سياسة أميركاالخارجية حسب ما تعلنه أدبياتهم.

إن أحد أعظم الدروس التي يُلقنّونها هو أن دور الصحفي في المجتمعالحر هو انتقاد سياسة الحكومة، وأن رئيس الولايات المتحدة نفسه ليس مُحصّناً ضد سهامالصحافة الحرة". في الاتجاه الموازي يُستقدم الصحفيون الأجانب ضيوفا على الولاياتالمتحدة لزيارة دور الصحف الأميركية ومحطات التلفزيون. ولمشاهدة كيف تشتغل آلة الصحافةالحرة في سياقها الأميركي. ويتمتع الصحفيين الأجانب أيضاً بحضور حلقات دراسية خاصة،ومقررات دراسية في إذاعة "صوت أميركا"، أو في كليات الإعلام وأقسام الصحافة في الجامعات الأمريكية. في هذا الإطار فإن أغلب أقسام الإعلام في الجامعات العربية أصبحت ومنذ أحداث سبتمبر تربطها اتفاقيات شراكة مع أقسام إعلام في جامعات أمريكية وتتلقى هبات ومعونات مادية مباشرة، نتساءل لماذا لا تكون الأولوية لأقسام العلوم : الكيمياء والفيزياء والذرة.

المحور الثاني لمساندة وسائل الإعلام الحرة يتعلق بكيفية تطويرتقنيات وأساليب إدارة المؤسسة الإعلامية والصحفية تجاريا وتسويقيا باعتبارها مؤسسة اقتصادية. فحسب برنامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تحتاج المؤسسات الصحفية في مشروعها للتخلص من رقابة الحكومة عليها، أنتكون قادرة على تحقيق استقلاليتها المادية وتوفير ظروف مناسبة وأجور محترمة لصحفييها وكذلك لتغطية تكلفة الإنتاج، بدءاًمن ورق الجرائد وصولاً إلى أجهزة البث والإرسال. ففي بعض دول العالم الثالث الفقيرة، تُدفعللمراسلين وللصحفيين أجور متدنية لدرجة أن بعضهم يقبل ما يُسمى "بالظرف" وهو عبارة عن إعانة في شكل رشاوى تحتوي علىمبالغ مالية تمنحها جهات معينة قد تكون أطراف سياسية أو اقتصادية أو غيرها. كما يحتوى البرنامج على تعليم مالكي وسائل الإعلام والمسئولين على تقنيات وفنون الحصول على الإعلانات وكيفية التسويق والإدارةالمالية للمؤسسة الصحفية حتى يستطيعوا الاعتماد على أنفسهم بشكل مستقل عن الحكومة. وتساعد هذه البرامج أيضاً في كيف إعداد دراسات الجدوى للمشروع الإعلامي وتوزيع العمل وإدارة الوقت والموارد الذاتية وأهمية إنشاء مكاتب تدقيق داخلي وإدارة ناجعة للمبيعات وتحديد أسعار الإعلانات وسعر التكلفة.

المحور الثالث في مشروع الولايات المتحدة الأمريكية الذي تسهر على تنفيذه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية يتعلقبمساعدة الصحفيين والناشرين والناشطين في مجال حقوق الإنسان والقضاة والمحامين على وضع قوانين تحمي الصحافة وحقها في تغطية نشاطات الحكومة وغيرها من المواضيع خاصة تلك التي تتعلق بقضايا الشأن العام بعيدا عن الخوف من المضايقات والمسائلة. أما المحور الرابع والأخير فيعود إلى المساعدة في تشكيل وتطوير برامج جمعيات مهنية ونقابات للصحفيين والمحررين ومالكي وسائل الإعلام ودعم شبكات الجمعيات الأهلية وشبه الحكومية المهتمة بحرية التعبير والصحافة. [6]

تبدو هذه المحاور مقبولة من حيث المبدأ من عدد لا بأس به من أهل المهنة وحتى أصحاب القرار فالصحفي أمام تعطل كل جسور التواصل مع السلط المحلية يجد في هذه الدعوات فرصة للسفر وإثراء تكوينه وفي بعض الأحيان سندا يعتمد عليه في صورة وجود خلاف أو تناقض بين مصالحه ومصالح دولته. الدولة أيضا ترى في مثل هذه الإجراءات علاقات ثنائية دبلوماسية أو حراك للمجتمع المدني وترى خاصة في أنها تتخلص بشكل مؤقت من إدارة منفردة لأعباء ملف معقد كالإعلام وحرية التعبير. فهي تراقب من بعيد ما يحدث خوفا من خدش النية الطيبة للمنظمات الدولية وخوفا من أن تنعت بأنها لا تحب الإصلاح وترفض المساعدة للوصول بأمان إلى ضفاف الديمقراطية، فهي بين فكي كماشة الضغط الخارجي والاستحقاقات الداخلية.

لكن لا تتوقف محاولات المساعدة على الدعم المعنوي بل تذهب إلى أبعد من ذلك ليتحول الدعم إلى دعم لوجستيكي يشتمل على دعم مالي مباشر لبعض رؤوس الأموال الناشئين والذين يريدون أن يستثمروا في قطاع الإعلام والاتصال مثل شراء المطابع وأجهزة الإرسال والتجهيزات الإذاعية، وحواسيب لقاعات تحرير الأخبار. تقر الولايات المتحدة الأمريكية أن الهدف الرئيسي هو مساعدة وسائل الإعلام ذات الملكية الخاصة في المقام الأول ولا تستثنى إمكانية أن تصرف بعض هذه المساعدات إلى وسائل الإعلامالتابعة للدولة لتدريب الموظفين ومديري المؤسسات الإعلامية الحكومية. أما الهدف الإستراتيجي حسب اللائحة الأمريكية هو جعل وسائل الإعلامالتابعة للدولة أكثر استقلالية، وأكثر احترافاً، مع إمكانية تحويلها إلى القطاعالخاص لاحقاً. عندما تتبع وسائل الإعلام التابعة للدولة وتنهج المعايير المهنية، فإنهاتصبح أكثر قابلية لخدمة المصلحة العامة للمجتمع عوض التعويل المفرط على المساندة المباشرة للحكومة القائمة.

تذهب مساعدات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية إلى وسائلالإعلام في 13 بلداً تسير نحو الديمقراطية كأفغانستان والعراق، عبر "مكتب مبادرات الانتقال"،الذي يعمل في مناطق كانت تشهد أو لا تزال تشهد نزاعات مستمرة. تشمل مساندة "مكتب مبادرات الحالات الانتقالية لوسائل الإعلامالمستقلة"، بالإضافة إلى تأمين التدريب وتطوير البني التحتية، برمجة  حملات إعلامية موجه للرأي العام المحلي في شكل رسائل من أجلالسلام، والتسامح، والمشاركة الديمقراطية. كما توجد برامج أخرى لدى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية تدعمالاحتياجات الأساسية للتنمية كالتعليم والصحة وهي تشمل كذلك كما ذكرنا عناصر ومحاور لمساندة ومساعدة وسائلالإعلام. إذ يمكن لبرامج التنمية هذه استخدام الإذاعات، والتلفزيونات، والصحفلتسويق بعض البرامج الاجتماعية أو الثقافية أو الإنسانية انطلاقا من بث رسائل محددة.

  ترى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية من خلال خبرتهاوإدارتها لبرامج دعم وسائل الإعلام طيلة أكثر من عقد من الزمن، أنه بدلاًمن محاولة إنشاء مرافق إعلامية جديدة بالكامل، من الأفضل مساعدة مرافق قائمة حتىولو أدى ذلك إلى شراء أجهزة الإرسال وورق الصحف عبر هبات مباشرة. والهدف الآخر يتمثل في محاولة مساندة التقارير الصحفيةالنقدية في مجالات أقل تهديداً، كالتقارير المحلية حول الطرقات، والصحة،والبيئة، وذلك عندما تحظر الحكومات النقد المباشر للسلطة التنفيذية[7]. فقداستخدم الصحفيون تلك التقارير كنقطة انطلاق للبدء بالكتابة النقدية حول المسائلالسياسية لفترة طويلة قبل أن يتمكنوا من التطرق إلى قضايا أكثر أهمية كالحاجة إلىانتخابات حرة وقضاء حر ومحاسبة المسئولين. وتدعم المساعدات الأميركية أيضاً تدريب الصحفيين على محاولة صياغةعلاقات إيجابية مع المسئولين الرسميين الحكوميين وكيفية كتابة التحقيقات الصحفية الاستقصائية. نجد آثار كل هذا التصور في ما تنشره مجلة "هاي" وإذاعة "سوا" وتلفزيون "الحرة" الموجة إلى منطقة الشرق الأوسط.

تدويل الإعلام العربي والحرب على الإرهاب

على هدي ما تقدم يبدو لنا أن تدويل الإعلام العربي ليس بدعة أو عنوانا استفزازيا بل إننا حاولنا جاهدين في الفصول السابقة توفير مادة دسمة للقارئ لفهم ما يحيط بالمشهد الإعلامي والاتصالي في الوطن العربي من متغيرات داخلية وخارجية من خلال مقاربة مختلفة. قد يكون مصطلح التدويل مصطلحا تعسفيا، وقد يرى البعض أن المصطلح الأسلم هو المعولم غير أننا نقول أن تأثيرات العولمة لا تلقي بآثارها فقط على الجسد العربي فهي بطبيعتها دولية. يعرف التدويل انطلاقا من القانون الدولي الذي تصدره هيئة الأمم المتحدة أو الهيئات التابعة لها، وليس هذا ما يعنينا في المقام الأول. بالعودة إلى التاريخ وإلى أدبيات الإعلام لم نعثر ولا نعرف إن كانت هناك علاقة ما بين التدويل والإعلام. التدويل هو قبل كل شيء تدخل الدول والمنظمات الدولية مهما كانت خلفياتها في إدارة الشأن الداخلي لدولة ما. وقد يكون هذا الشأن ذا علاقة بنزع أسلحة الدمار الشامل ( العراق) أو دينيا (السودان) أو غذائيا (الصومال)، أو عرقيا (كوسوفو) أو حدوديا (قبرص/لبنان)، وأمثلة أخرى عديدة، كشمير، كردستان، هايتي.

في البدء علينا أن نعترف أن أكثر من نصف المنطقة العربية هي فضاءات تحت التدويل وهو ما قد يقدم لنا نصف الإجابة عن صلابة فرضية أن الإعلام العربي أصبح حقيقة قضية في أروقة التدويل. ويمكن ذكر تدويل قضية الصحراء