مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
المدونات الإلكترونية و"سلطة التدوين"

"إن "وسائل إعلام النحن" قوة سوف تتفوق قريباً على نفوذ المؤسسات المسيطرة على الأنباء والمعلومات. وهي توحي بأن الصوت، أي التعبير الثقافي الأصيل للفرد، بدأ يبرز مجدداً في طريقة عمل وسائلنا الإعلامية."

دايل بسكين وآندرو ناتشيسُن-مجلة قضايا عالمية

 

الدكتور جمال الزرن-جامعة منوبة-تونس

 

نشرت هذه الدراسة في مجلة "شؤون عربية" العدد 130 صيف 2007

1-          تقديم : "سلطة التدوين"

في شهر مارس من سنة 2006 عقدت منظمة دولية اجتماعها السنوي بنيوزيلاندا، وقد مثَل المغرب في هذا الاجتماع حسن بلكورة الكاتب العام في وزارة الشؤون الاقتصادية، وعلى خلاف بقية الوفود التي قامت برحلتها عبر ماليزيا، قام ممثل الوفد المغربي برحلة مطولة عبر باريس ولوس أنجلس، وهو ما كلف الوزارة أكثر من 130 ألف درهم (10 ألف دولار) وهو مبلغ أكثر بكثير من تكلفة رحلة كهذه. المدون رشيد جنكاري[1]، الصحفي التقني بشركة casanetالمشرفة على البوابة الإخبارية Menara.ma والمملوكة لشركة اتصالات المغرب، نشر في مدونته تفاصيل الرحلة والفاتورة التي تكشف هذا التبذير. جاء رد الفعل غير متوقع، إذ أرغم رشيد ومن خلال تدخل مديره في العمل على سحب هذا الموضوع من مدونته مع تهديده بالفصل من العمل، رغم أنه لا وجود لأية علاقة مباشرة بين الشركة التي يعمل بها والوزارة محل الاتهام.[2] تفاعلا مع الحدث تحرك مجتمع المدونين المغاربة بسرعة متضامنا مع رشيد، فقامت أكثر من مدونة بإعادة نشر نفس الموضوع، ووصل الخبر إلى الصحافة المكتوبة التي قامت بدورها بتغطية تفاصيل هذه القضية المثيرة. كانت النتيجة أن أعلن المدير عن بقاء رشيد المدون في عمله، وإعلان وزير الشؤون الاقتصادية عن إقالة كاتبه العام بالوزارة حسن بلكورة. رغم أن رشيد اضطر إلى سحب الموضوع من مدونته، إلا أن تدخل باقي المدونين جاء بالسرعة الكافية، ليظهروا بأن المدونات المغربية بدأت مسيرتها نحو شيء من النضج، وأنها تريد لنفسها مكانة كمصدر مؤثر في قضايا الشأن العام وصناعة القرار.

أفردنا هذه القصة عن مجتمع المدونين-والأمثلة عديدة-في بداية هذه الدراسة لبيان أن التدوين باتت له سلطة وأنه يوجد اليوم إجماع على ما لتكنولوجيات الاتصال الحديثة من تأثير على أشكال التواصل الإنساني التقليدي وكيف أن منظومة اتصالية افتراضية جديدة هي بصدد التشكل والاستقرار في السلوك البشري المعاصر،  كان ذلك في مجتمعات ما بعد الحداثة أو المجتمعات النامية[3]. جاء كل هذا كنتيجة طبيعية ومنتظرة للانتشار الأفقي لكل ما له صلة بوسائط الاتصال الحديثة مثل شبكة الإنترنت والاتصالات الفضائية والخلوية الرقمية. لكن في ذات السياق يرى البعض أن الوقت ما زال مبكرا للحكم على المدونات، فنحن نتعامل مع تقنية تعود نشأتها إلى بعض السنوات وندرس مجتمع من مستعملي الإنترنت والمدونات يحاول أن يجد طريقه إلى هذه التقنية، ويتحسس كيف يوظفها في قضايا المصلحة العامة وفي إظهار شكل جديد من الممارسة الإعلامية أصبح يطلق عليها "الإعلام البديل" أو "الصحافة الشعبية".

هكذا يبدو من الصعب الحسم النظري في ماهية وطبيعة انعكاسات ثورة المعلومات على الفرد والمجتمع، فحتى وإن توفرت عناصر للإجماع تهلل بما هو إيجابي فيها فإنها كظاهرة فكرية مازالت تشوبها وتشقها اختلافات منهجية وابستمولوجية. فهي تبدو في بعض الأحيان متناقضة، بين مبشر بعهد جديد يوفر فرصة أكثر لتحرر الإنسان، وديمقراطية شعبية وعدالة اجتماعية[4]، وبين متشائم محذر من فجوة رقمية وردَة عن الاتصال البشري التقليدي، وتنميط جديد لأشكال الثقافات المحلية باسم أسطورة تحرير الأسواق والعولمة ومرونة التقنية، ومجتمع المعرفة[5]. أدت مثل هذه الاتجاهات وغيرها إلى تحول تكنولوجيات الاتصال الحديثة إلى قضية فكرية ثقافية وتنموية سياسية شائكة في وجه المجتمع الدولي، وباتت ظاهرة تشكك في موروث أكثر من نشاط بشري اجتماعي أو اقتصادي أوشكت بعض مفاهيمه أن تتحول إلى مسلمات. ويمكن في هذا السياق الاستدلال بتخصيص المجتمع الدولي-هيئة الأمم المتحدة-لهذه القضية قمة في دورتين (جنيف 2003، تونس 2005) عرفت ب"قمة مجتمع المعرفة والمعلومات".

في هذا الإطار يمكن التأكيد أن تأثيرات تكنولوجيات الاتصال الحديثة على مضامين وأشكال الاتصال الفردي والجماعي هي من بين أكبر التحديات المستقبلية على المعرفة الإنسانية، ومن بين أشكال الاتصال يمكن القول أن قطاع النشر والصحافة يعتبر من أكثر القطاعات والمهن التي تعايش وبصعوبة كل تلك الهزات التقنية والنوعية في ما كانت عليه وما ستؤول إليه مهنة الصحافة[6]. استطاعت حركة النشر والصحافة المكتوبة أن تستوعب الحاسبات الإلكترونية وتحقق نجاحات عرفت بالنشر المكتبي Desktop publishingوتبعتها صيغ أخرى مختلفة مثل النشر الإلكتروني Computer Assisted Reporting[7]. كما استوعبت الصحافة ولا زالت الامتيازات التي جاءت بها شبكة الإنترنت فتحولت النسخة الورقية في البداية إلى نسخة مصورة PDF، وبعدها انتقلت النسخة الورقية إلى نسخة إلكترونية بها وصلات تفاعلية تحقق للقارئ المزيد من المعلومات والخدمات الصحفية. أصبحت تعرف هذه الصيغ من النشر الصحفي بصحافة الويب أو الصحافة الإلكترونية ولدى البعض "بصحافة المواطن"  Civique Journalismأو "الصحافة المدنية"  Public Journalism التي تجمع بين مختلف أشكال عرض الخبر والرأي والتحليل على شبكة الإنترنت مستفيدة من تعدد الوسائط (صورة، صوت، نص..)[8].

ويمكن القول أن الصحافة الإلكترونية  E-journalismأو على الويب On ligne  Journalism باتت منذ بداية هذه الألفية قطاعا متناميا بشكل يثير عديد الإشكاليات، ونلاحظ تأثيرات هذا الامتداد الأفقي والعمودي في هذا القطاع رغم ما للصحافة التقليدية الورقية من عراقة وسلطة ورأسمال رمزي يعود إلى قرون. وجب في هذا السياق بيان أن كل تلك الإضافات والتحولات التي أشرنا إليها والتي أحدثتها تكنولوجيات الاتصال الحديثة على قطاع الصحافة التقليدية كانت داخلية علائقية بين التقنية ومهنة الصحافة، لكن المثير للجدل والبحث هو ما هو صحافة أو له صلة وثيقة بفنون الصحافة ويكون في نفس الوقت خارج دائرة تحكم مهنة الصحافة وتقاليدها. هذه الظاهرة الجديدة هي بكل بساطة ظاهرة البلوغرز Bloggers أو المدونات كما أصطلح على تسميتها باللغة العربية، والتي أصبحت تكتسح وبشكل ظاهر مساحة هامة مما يوفره فضاء شبكة الإنترنت كفضاء افتراضي تخيلي حسب تعبيرة  جون بيري بارلو[9].

إن المدونات ورغم حداثتها قياسا لأشكال أخرى من الظواهر الإعلامية والاتصالية التي أفرزتها شبكة الإنترنت لا يمكن قراءتها كما يعتقد البعض في كونها-وبكل بساطة معرفية-شكل يبدو هجين من الممارسة الصحفية لا يمكن مسائلتها ضمن تقاليد وأساسيات كل من الصحافة التقليدية والصحافة الإلكترونية. إن الصحافة الإلكترونية ومهما تحررت وتميزت لا زالت تحت مراقبة وتوجيه الصحافة التقليدية، كان ذلك على مستوى  الكتابة أو الأخلاقيات أو التلقي، لكن علينا أن نتساءل كيف يمكن تدريس ظاهرة المدونات في كليات الإعلام والصحافة التي تعتمد في تدريسها على قاعدة أن "الخبر بلا مصدر إشاعة"؟ فهل أن الأخبار التي تتدفق يوميا من المدونات هي "إشاعة صحيحة" بحكم إطلاع الناس عليها وإيمانهم بها رغم عدم مقدرة أية جهة التأكد مهنيا وعلميا وموضوعيا من صحة مصدرها؟ هل أفل نجم وكالات الأنباء ومصادر الخبر الكلاسيكية؟ هل مازال يصح الحديث عن مدرسة الخبر في تدريس نظريات الصحافة القائلة بأن "الخبر مقدس والتعليق حر" ؟ هل قلبت المدونات الشعار وأصبح الحديث الشائع هو "الرأي مقدس والخبر حر" وما على المواطن أي مواطن إلا أن يصنع خبره بنفسه بحكم تحقق عنصر النشر للجميع مجسدا في شبكة الإنترنت والمدونات ؟ سنحاول في هذه الدراسة وأمام ندرة الدراسات الأكاديمية في الأدبيات الاتصالية عن ظاهرة التدوين  أن نقدم مقاربة في الإجابة عن جملة من التساؤلات الفكرية عن المدونات من حيث النشأة والتبلور والدوافع والاهتمامات. كما سنتعرض وبالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي وعلى أدبيات بعض المدونين البحث في سؤال لماذا يدون المدونون، وماهية هوية المدونة ومرجعياتها في الثقافة العربية، وإثارة أسئلة لها صلة بالمناهج الفكرية والمعرفية الكفيلة بمسائلة العلاقة بين الرقمي والاجتماعي ونحن ندرس المدونة؟

2-          المصطلح والدلالة بين السيرة والرأي

- المفهوم اللغوي : الـمدونة أو WebLog تعني اصطلاحا "سجلات الشبكة"، وتعريفها دفتر يوميات إلكتروني، وقد تم الاتفاق عربيًا على "مدونة" كتعريب لـ Weblog (أو Blog)، وكلمة "تدوين" هي تعريب لـ Blogging، فالمدونات (Weblogs) والتي بدأت في تسعينات القرن الماضي كهواية أصبحت تتحول إلى وسيلة جديدة تغير طريقة تواصل الأفراد وعمل الصحفيين، وسلطة إعلامية تؤثر على صناع القرار. بالعودة إلى اللغة العربية يوجد إجماع على أن الترجمة العربية للبلوغر هي المدونة[10] ويفضل البعض الآخر كتابتها على النحو الآتي : بلوجر عوض بلوغر أو بلوقر[11] ويذهب موقع "أراب بلوغر" إلى ترجمة Blogger بكلمة "مُدونة"، وجمعها مدونات أي Bloggers. وتبدو الترجمة موفقة ومقبولة وأصبح عليها إجماع ويستعملها أكثر من موقع، فهي على الأقل تقلص من الحضور المكثف للمصطلحات الغربية في منجد ثورة المعلومات والإنترنت. بالنسبة للغة الفرنسية توجد عديد الاستعمالات إذ يطلق على المدونةCarnet Web  أي مفكرة الويب أو Journal Web أي صحيفة الويب[12]، كما يطلق عليها أيضا مصطلح Blogger. وتتألف كلمة البلوغرز (Bloggers) الإنجليزية الأصل من جزأين، الأول يمثّل الحرف B وهو اختصار لكلمة "بيوغرافي Biography" التي تعني سيرة، أما الثاني فهو مصطلح "لوغ" Log وتفيد دلالته سجلا أو جدولاً أو مفكرة تدون فيها الأشياء بأسلوب متسلسل، وفي صيغة الجمع بالإنكليزية، تصبح (Bloggers) "بلوغرز"، ويوجد من يعتبرها مدونة كونية Blogsphere أي تجمع بين الذاتية والكونية.

في قراءة تاريخية مختصرة لنشأة المدونات يمكن القول أنها ظاهرة انطلقت في منتصف تسعينات القرن الماضي في أميركا، وخصوصاً مع موقع "درادج ريبورت" Drudge Report الذي يعتبر الأب الروحي للمدونات وهو من كان وراء نشر فضيحة مونيكا لفنسكي السكرتيرة الخاصة للرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون[13]. ويعتقد بعض الأخصائيين إلى أن التدوين انطلق مع تأسيس Justin Hall [14] سنة 1994 لأول موقع يمكن تصنيفه كمدونة، وإن كانت التسمية WebLog لم تظهر إلا سنة 1997. عرفت هذه الفترة ظهور خدمات تدوين مثل Xanga سنة 1997، وOpen Diary سنة 1998 ثم LiveJournal وBlogger سنة 1999 الذي اشترته شركة جوجل. كما يمكن اعتبار سنة 2001 بداية المرحلة الثانية أو الميلاد الحقيقي للمدونات، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، ففي هذه المرحلة دخل الصحفيون إلى معترك التدوين وبدأت المدونات تكتسب شيئا فشيئا قدرتها على التأثير، ففي سنة 2002 استقال السيناتور Trent Lott بعد هجوم شنه عليه المدونون إثر تصريحات أطلقها صنفت على أنها عنصرية، ثم تبع ذلك الكثير من الأحداث المشابهة، كما ظهر ما عرف بمدونات الحرب أثناء الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة النضج ومؤشراتها بدأت في النصف الثاني من العام 2004، حين تحول التدوين إلى ظاهرة عالمية عرفت انفجارًا كبيرًا ابتداءً من سنة 2005.[15] هكذا بدأت تظهر مجموعة جديدة مميزة على شبكة الإنترنت تختلف عن بقية المواقع الكلاسيكية ومواقع الدردشة والبوابات والمواقع الشخصية، بها وصلات مشتركة واستطاعت أن تفرض نفسها لتتكاثر بسرعة ملفتة ليصل عددها في نوفمبر من سنة 2000 إلى 1.2 مليون مدونة حسب إحصائيات الموقع الخاص بالمدوناتTechnorati  وقد استنتج هذا المحرك أن نسبة نمو هذه المواقع تفوق بكثير بقية أصناف مواقع الإنترنت، وتشير إحصائيات 2006 إلى وجود أكثر من 50 مليون مدونة في العالم. [16]

- التعريف الدلالي : بعد عرض المصلح وتعدد مترادفاته نتجه صوب الدلالة، إذ يطلق اسم مدونة على موقع ذلك الشخص الذي يقوم بكتابة خليط يتألف من رزنامة من الأحداث والسيرة الذاتية والرأي على صفحة الكترونية. فهي شكل حديث من الكتابة الصحفية الافتراضية ونشر القصص والتجارب الشخصية والمناقشات والحوارات حول تفاصيل الحياة اليومية الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية الجماعية منها والفردية. كما تشفع المدونة عادة بالصور والتسجيلات الصوتية والموسيقى والأغاني والأشرطة المصورة والتي تكون غالبا من صنع المدون نفسه. على المستوى التقني تعتبر المدونات مواقع على شبكة الانترنت تتميز بسهولة إعدادها وصيانتها وتحيينها حيث توجد قوالب جاهزة لإطلاق المدونة يقدمها موفرو خدمة التدوين، وقد ظهرت في البداية كدفتر يوميات شخصي يكتب فيها المراهقون اهتماماتهم وتفاصيل حياتهم، ثم تطورت لتصبح وسيلة للتعبير عن الآراء والحوار حول قضايا مشتركة. تطورت مواضيع المدونات وفرضت نفسها كنمط جديد من الصحافة والنشر الالكتروني، ولعل قوتها الأساسية تبدو في أنها تمثل صوت "رجل الشارع" دون أي تلوينات إيديولوجية أو رقابة مؤسساتية. وتعتبر المدونات وسيط مفتوح لنشر آراء مختلف الاتجاهات، كما أنها بآنيتها وسرعة مقاربتها للأحداث تكاد تسحب البساط من تحت الصحافة التقليدية، خاصة في الدول التي يكون فيها هامش حرية التعبير متواضعا، وذلك بسبب الاحتكار شبه الكلي للإعلام من طرف السلطة.

أصل المدونة هي أن تكون على هيئة موقع شخصي، لكن يمكن أن تتحول المدونة إلى موقع لشخصين أو لفئة أو لجماعة تلتقي حوله ثلة من الأفراد تجمعهم بعض المعتقدات والمشاعر المشتركة (دينية، ثقافية، عرقية، أو سياسية...)[17]. والمدونة هي عبارة عن صحيفة ذاتية نشطة عبر شبكة الإنترنت، أساسها المزج بين الخفة والبساطة في التصميم والأسلوب، وخفايا الحياة الخاصة لصاحب المدونة. بعدها تعددت مظاهر هذا الشكل الجديد من الكتابة والتعبير، فبالإضافة إلى الصحيفة الذاتية ظهرت الوصلات الخارجية والقصص المتسلسلة والردود، كما أصبحت المدونات تتجه نحو التخصص، وذلك انطلاقا من خلفية كل مؤسس (الرياضة، الأدب، الجامعة، السياسة، الدين...) إلى أن استقرت في النهاية على المعلومة والخبر والرأي كنوع هو الأكثر شيوعا وحضورا في منظومة المدونات. وتمكنت المدونات من فرض مصداقيتها في نشر المعلومة التي قد يهتم بها المواطن العادي وخاصة مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 والحرب على العراق 2003 وانتخابات الرئاسة الأمريكية سنة 2004 عندما تحولت المدونات إلى فضاء للإدلاء بعديد الشهادات الحية لمن عايشوا هذه الأحداث، والتعبير عن تلك الوقائع بشكل صريح.

3- عوامل النشأة

تعددت عوامل ظهور وتبلور التدوين منذ نشأته كما اختلفت الدوافع والرغبة في التدوين من فرد إلى فرد ومن مجتمع إلى آخر، فما قد يصح تأكيده في الولايات المتحدة الأمريكية قد لا نجد له أثرا في ثقافة المدونين في مصر وما هو سبب من أسباب التدوين في مصر قد لا يكون بالضرورة ذاته في البحرين. أردنا بيان هذه النسبية لنتجه أكثر في البحث عن العوامل المشتركة في التدوين والتي يمكن تلخيصها في كل ما له صلة بالتقنية وعولمة الإعلام، وتراجع الثقة في أداء الصحافة التقليدية ومخرجاتها ودور الشباب وخلفية موفري خدمة الإنترنت التسويقية في دفع هذه الظاهرة إلى الانفجار. 

- مرونة التقنية : عن عوامل نشأة المدونات بوصفها ظاهرة اتصالية فإنه لا يمكن عزلها عن عنصر محوري يعود لما توفره شبكة الإنترنت من تحررية ومن مرونة في التواصل. فهي حسب رأي المدون رؤوف شبايك "موقع شخصي سهل الإدارة والتحديث، يمكنك أن تقول ما تريد، وأن يزورك فيه من يريد، وأن تخبر عن نفسك، أو تتخفى خلف قناع شخصية أخرى. إنه نوع من أنواع الحرية التي تقدمها لنا إنترنت كل يوم"[18]. جاءت إذن إمكانية الكتابة مع التطور الهائل لشبكة الإنترنت وما تتميز به من امتيازات فنية في النشر بعيدا عن التقيد بحدود الوطن، أو الخضوع لحسابات مادية، كما هو الحال مع النشر المكتوب. أما الأسلوب فيعتمد على قاعدة بسيطة وهي السعي لإيصال المعلومة إلى القارئ بأبسط السبل. هذه الآلية في النشر على شبكة الإنترنت تساعد المستخدم على تجاوز التعقيدات التقنية المرتبطة عادة بهذا النوع من النشر، وتتيح لكل شخص أن ينشر كتاباته بيسر ودون الحاجة إلى ثقافة معمقة في لغة الكومبيوتر أو بروتوكولات الإنترنت المعقدة. ويتيح موفرو خدمة التدوين مثل موقع جيران[19] و [20]Blogspot آليات وبرمجيات هي أشبه بواجهات الموقع الشخصي والبريد الإلكتروني على الإنترنت، فهي تمكن أي شخص من أن يؤسس مدونة ينشر من خلالها ما يريد بمجرد ملء وإتباع النموذج والتعليمات. ويوفر القائمون على خدمة التدوين أيضا خصائص مكملة تقوم على تقنيات مبسطة في النشر والتحديث وتوفير خدمات أخرى للربط بين المدونات والأهم من ذلك هو التفاعل بين المدونين والقراء من خلال التعليق على مخرجات المدونة. في هذا السياق فشبكة الإنترنت من خلال الإضافة التي جاءت بها المدونات هي فضاء صحفي يجمع بين الخبر والرأي والرأي الآخر. هكذا تبدو الإنترنت بالإضافة إلى كونها تقنية أنها وسيلة اتصال تفاعلية جماهيرية، وهي بذلك تفند وتضعف القراءة التقنوية للإنترنت أو القراءة المحافظة القائمة على اعتبار الإنترنت أداة للتسلية والاختراق الثقافي والمؤامرة.

- عولمة الإعلام : وأبعد من هذه الأسباب التقنية المباشرة توجد أسباب سياسية وفكرية تتمثل خاصة في تراجع مقولة الاتصال الجماهيري والتي كانت مقدمة للصناعات الإعلامية. فقد غدت مقولة الاتصال الجماهيري-رغم نبلها-مقولة في القهر والتضليل واغتصاب العقول، أما الصناعات الثقافية فهي الاحتكار والتنميط الذي تفرضه الشركات المتعددة الجنسيات التي تستهدف الربح. بين سنة 1995 و2001 انخفض عدد مالكي الإذاعات في الولايات المتحدة الأمريكية إلى 25% ، ففي سنة 1996 كانت الشركة الأولى التي تملك أكبر عدد من الإذاعات تشرف على 85 إذاعة، لكن وفي سنة 2001 أصبحت شركة Clear Channel تملك 1202 محطة إذاعية، فلا نستغرب عندما يعلق البعض أن لا فرق عند المستمع بين مختلف الإذاعات في الولايات المتحدة الأمريكية، لأن البرامج تتشابه والسبب هو تشابه سياسات التحرير[21]. كذلك فإن الإنترنت ليس ببعيد عما تعيشه الإذاعة، ففي سنة 1999 توجد 50 شركة تتقاسم 60 % من قطاع الإنترنت أما في سنة 2001 فقد أصبحت 14 شركة فقط. مثل هذا التمركز وهذه القطبية تفقد المؤسسة الإعلامية والاتصالية على حد السواء القدرة على توفير مادة إعلامية متنوعة وذلك بسبب غياب التعددية في الملكية. ويعتقد صاحب مدونة جحا.كوم أن "المدونة اختراع رائع يُتيح للفرد أن ‏يتفاعل من دون وسيط مع الأحداث ومع ‏الآخرين. ستكون المُدونة أداة التواصل الإنساني الحر ‏الذي سيكنس تدريجيا وسائل الاتصال الجماهيري ‏التقليدية التي صودر معظمها من قبل قوى السياسات ‏الشمولية وقوات التحالف بكل أنواعها. المدونة لَبِنة ‏متينة في إرساء السلام بين أفراد المجتمع الإنساني ‏وذلك بفضل ميزتين أساسيتين هما: الحرية والحوار"[22]. ‏

- تراجع الثقة في الصحافة التقليدية : يعتبر فقدان الثقة في وسائل الإعلام التقليدية نتيجة حتمية لظاهرة عولمة الإعلام وبروز أقطاب إعلامية دولية كبرى تديرها شركات عملاقة تحكمها رهانات مالية وسياسية يصعب كشف تمثلاتها. في الأصل تعتبر المدونات رد فعل قد يكون في نفس الوقت عفوي وواع عن تقلص حضور المواطن في قضايا الشأن العام، وتأكيد لحالة من التشكيك في مصداقية الصحافة، وهي بذلك تعكس ظرفا حرجا من عدم الثقة بين وسائل الإعلام التقليدية والجيل الجديد من مستخدمي الإنترنت والإعلام الإلكتروني. واستطاعت المدونات أن تنافس المعلومة الرسمية التقليدية التي تبثها الصحف والإذاعات والمحطات الفضائية، فالكتابة والنشر بالاعتماد على المدونة أسهل على المستوى السيكولوجي من الأشكال الأخرى من التعبير (الصحيفة، الإذاعة،..) بحكم أن الكاتب لا يخشى من الأحكام المسبقة، خاصة عندما يكون الهدف هو التواصل مع الآخر. فالمدون هيثم صباح يعتبر المدونة "الوسيلة الأسهل والأسرع للتواصل بين نبض الشارع والإعلام والساسة. فمنذ عصور لم تتح للبشرية وسيلة بهذه السهولة تمكن أي شخص من إبداء الرأي ونقل الأحداث كما يراها هو، بدون أي تأثير خارجي وبدون خضوعها لمقص الرقيب، وبالتالي فالمدونة هي صحافة المواطن، بكل ما لكلمة صحافة من مغزى وأهداف".[23] أصبح المواطن لا يثق في الإعلام عامة وفي الصحافة خاصة، فهي تسوق للحملات الانتخابية وتسعى للربح على حساب المصلحة العامة. أمام حالة الشك والنقد للصحافة التقليدية تريد صحافة المدونات أن تحرج المسئول وأن تنشر ما لا تنشره الصحافة الكلاسيكية التي تخضع لرهانات وأجندة البورصة والتكتلات. إن صحافة المدونات لا تكلفة مالية لها ولا مصلحة ذاتية لها ولا مناصب تسعي للدفاع عنها ولا رأسمال لها تخشي عليه أن ينهار في سوق الأسهم، إنها ببساطة صحافة الفرد الذي يتحدث بوصفه مواطنا لم يجد من يسمع مشاكله ويعرضها على وسائل الإعلام التقليدية : تلفزيون، إذاعة، صحافة ورقية.

- دور الشباب : تنتشر ظاهرة التدوين في أوساط الشباب والتي كانت الفئة الدافعة لشيوع هذا الشكل من التواصل من داخل شبكة الإنترنت، بل تكاد تكون ممارسة التدوين حكراً عليهم، وقد يكون وراء هذا الانخراط العفوي في فعل التدوين صلة بفقد الشباب الثقة في وسائل الإعلام التقليدية. ويمكن القول أن ظاهرة المدونات ساهمت في تحديد وتشكيل ديمغرافيا الإنترنت وخاصة الإجابة على ذلك السؤال القديم المحير : من هي الشريحة الأكثر حضورا في شبكة الإنترنت كفضاء افتراضي صعب التقييم والمتابعة؟ أظهرت المدونات الإلكترونية على شبكة الإنترنت فئة الشباب وهي تكتب ما يدور في حياتها اليومية من مواقف وآراء وقصص تريد أن يشاركها الناس تفاصيلها. والمدونة تعبير حداثي عن ديمقراطية الكتابة التي كانت ولازالت إلى الآن حكرا على الكهول وأصحاب الشهائد العليا بوصفها نشاطا نخبويا، كما أنها أصبحت علامة على ديمقراطية الكتابة بعد أن تحققت ديمقراطية القراءة وخاصة في الغرب. فالشعوب الغربية قياسا لشعوب العالم الثالث شعوبا تقرأ وبديهي أن تؤدى سلوكيات القراءة إلى سلوكيات جديدة في الكتابة ما إن وفرت الإنترنت الفرصة لذلك. فشباب المدونات ومن خلال انخراطهم في هذا الشكل من التعبير عن قضايا الشأن العام والخاص يريدون إيصال رسالة تقول : عفوا لا نملك بديلا للتعبير عن رأينا إلا المدونات، فهي الحل الأول والأخير المتاح[24].

ويمكن القول أن المدونات هي "إنترنت داخل الإنترنت" وذلك لما لهذا التواصل الشخصي أو الفردي من أهمية في تشكيل النسيج الاجتماعي والثقافي للشبكة، فهي ومن زاوية المدونات مجتمع وفضاء شبابي أي أن الشريحة التي تبحر في هذا الفضاء هي فئة بين 15 و 35 سنة تريد أن تعبر عن نفسها من خلال المزج بين السيرة الذاتية والنقد. وأظهرت المدونات أن أحكام الكهول عن الجيل الجديد من الشباب العربي والذي يبدو لهم أنه جيل في تماه مع العولمة ومعلب الفكر والوعي أصبحت أحكاما لا تملك مصداقية عندما تعترضنا جرأة ما تنشره المدونات. فقد صححت المدونة أن مجتمع المدونين صاحب الثقافة الرقمية يعبر عن وطنيته بشكل مختلف عن جيل السبعينات والثمانينات الذي لا زال غارقا في الخطابات ومعركة نشر مقال صحفي يتيم في صحيفة معارضة تكتفي ببيع بعض المئات من أعدادها. يقوم هؤلاء الشباب بعرض آرائهم وتحليلاتهم السياسية في حين ليست لهم بالضرورة انتماءات سياسية وتلك هي الإضافة النوعية في التفاعل مع قضايا الصالح العام التي تثيرها شبكة الإنترنت وتحديدا المدونات الإلكترونية، وهو ما يؤكد أن الوطنية ليست حكرا على من ينتمي إلى حزب سياسي أو جهة تنفيذية بل إن حب الوطن والغيرة عليه من حق الجميع. كل هذا يجعل من الـمدونات العربية مجموعة مثيرة من الشباب من الناشطين والسياسيين والأدباء الشبان والمنظرين الجدد المنادين بواقع بديل. إنهم فئة رافضة ومهمشة تساهم في إثارة وإنارة الجدل الاجتماعي من خلال ثقافة إعلامية وحوارية رقمية غير مسبوقة في علاقة الوسيط والتلقي بالثقافة العربية منذ ظهور وسائل الاتصال الجماهيري بمفهومها الحديث ذات الصفة الافتراضية.

        - الخلفية التسويقية : لا يمكن تجاهل الخلفية التسويقية والتجارية التي يقف ورائها موفرو خدمة التدوين في شبكة الإنترنت وشركات الاتصال، فالمدونات-غم مجانية توطينها-تحولت إلى مدخل لترسيخ ثقافة الإبحار على شبكة الإنترنت والاعتماد عليها في البحث على المعلومة والخبر في مجالات أخرى مختلفة. كما تمكن المدونات موفري خدمة التدوين من خدمات الإعلان الموجه للمدونين وذلك بحكم تكاثرهم، وتتعدد اهتماماتهم. إن استثمارات القرن الجديد انصبت في معظمها نحو الاستثمار في تقنية المعلومات وهو ما يستدعى مزيدا من التنوع والخلق والإبداع في خدمات شبكة الإنترنت حتى تكون مربحة، فالمدونات لا يمكن عزلها عن خلفية تسويقية، فهي أحد مجالات اقتصاد الشبكة الجديد. أصبح التدوين على المستوى التسويقي التجاري مدخلا في التعلم وتربية الجيل الجديد على استعمال ما تفرزه هذه الشبكة من أفلام وصور وموسيقي وأخبار واستهلاكها ، فكلما زاد عدد المدونين كثر عدد المستغلين للشبكة وهو ما يعنى إقبال المعلنين والمستثمرين على مزيد الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.

      - رب ضارة نافعة : ومن بين العوامل غير المباشرة التي سارعت في تفعيل انتشار ظاهرة المدونات يمكن ذكر الحرب على العراق التي جذبت اهتمام المدونين وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية عندما بدأ

الجندي الأمريكي "جاسون"  في تدوين مذكراته أثناء الحرب ووضعه لعينة من الصور الرقمية المعبرة عن مآسي الحرب في مذكراته الالكترونية تلك. وكان هذا الجندي قد استطاع أن ينقل

وجهة نظر المدنيين العراقيين ومعاناتهم وآمالهم، ونجح في تقديم ما لم يلتفت إليه الإعلام الأمريكي التقليدي في فترة الحرب وقبلها. هكذا ساهمت الحرب علي العراق وقبلها أحداث ‏11‏ سبتمبر في ظهور وانتشار المدونات وشيوعها‏،‏ فقد كان حضورها فاترا بعض الشيء قبل هذه الفترة ومع احتداد الأزمة بين العراق وأمريكا وإعلان قرار وتاريخ بدء الحرب تغير موقف وأهمية التدوين. فقد تأسست  قبيل اندلاع الحرب مدونات تدعم الجمعيات والمنظمات المعارضة للحرب والمدافعين عن حقوق الإنسان، خاصة منهم أولائك الذين سافروا إلي العراق قبيل الحرب كدروع بشرية ‏، فكانت يومياتهم وتعليقاتهم الحية حول ما يستجد في العراق تجد طريقها للتدوين واتجهوا ينشرون علي هذه المواقع أخبارا وبشكل مستقل عن وسائل الإعلام التقليدية ويتلقون الردود والمناقشات والأفكار والمناظرات من مستخدمي الشبكة حول العالم‏.‏ وخلال الأسبوع الأول للحرب على العراق كانت مواقع البلوجرز "من أفضل المواقع التي قدمت تغطية مثيرة للحرب مقارنة بجهات ومواقع إعلامية عتيدة وبعضها قدم تأريخا يوميا للحرب‏ ووقائعها بالاعتماد علي معلومات من شهود عيان ويوميات لأشخاص عايشوا الأحداث"[25]

ومن بين التجارب المؤثرة في المدونات وعلاقتها