مقعد وراء التلفزيون : الإعلام والإتصال والمجتمع
مدونة إفتراضية تهتم بقضايا الإعلام العربي والدولي والصورة في زمن العولمة: "المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية" : ريجيس دوبريه-
‬إقصاء أية فكرة من الحضور الإعلامي‮ ‬دعوة لميلاد سوق سوداء للأفكار التكفيرية

 
الدكتور جمال الزرن:
إقصاء أية فكرة من الحضور الإعلامي دعوة لميلاد سوق سوداء للأفكار التكفيرية

 

مساهتنا في  ملف عن "الخطابات التكفيرية" في  ملحق رؤى بجريدة "الأيام" البحرينية بتاريخ 6 أكتوبر 2007
 

رؤى  - جعفر العلوي:
 
كنقطة (قوة) أخرى تُضاف إلى رصيده في العنف والقمع المادي الذي يمارسه أو يدعو إلى ممارسته بطريقة أو بأخرى، يعمل الخطاب التكفيري عبر منظومته الإعلامية الكبيرة التي أسسها مستنداً إلى ضغوطات مسألة الهوية وقوته التي يستمدها من منظومته الثقافية والتي تمنح لصاحب هذا الخطاب دعمها ليشعر بأنه صاحب الفكرة الأقوى والأصح والأكثر صواباً، يعمل على تلبيس نصوصه وآلياته صبغة التناحر والتراشق الذي يفور تارة ويخفت أخرى، في محاولة لخلق نوع من العنف الرمزي على الآخر والذي بالغالب يلقي بتبعاته على فكر المجتمع و تحركات أفراده.
 

من هذا بدأ الإعلام يأخذ دوراً بارزاً في المشاركة الفعلية من خلال المسميّات والمضمون في تشكيل أو تطويع العنف اللفظي في هذه الخطابات لصالح مطلق هذا الخطاب، وبدأت القنوات الفضائية -وهي الوسيلة الإعلامية الأبرز والأكثر انتشاراً- تستقطب رموز إثارة هذا الخطاب، في محاولة للعب في منطقة هي بعيدة كل البعد عن الحوار العلمي، قائمة على الإثارة الناتجة عن تعنيف الآخر لفظياً وأحياناً مادياً، غير آبهة بخطورة اللعب في هذه المنطقة وما ينتجه هذا التحرك بالضرورة من حالة ضمور فكري تنشأ بذهنية المجتمع وتبقيه قائماً على تبعية الإثارة والخطاب الطائفي وتعزز من حضور هذا الخطاب في كل حيثياته.

في لقاءنا معه، يتحدث الدكتور جمال الزرن أستاذ الإعلام بجامعة البحرين عن أهمية الإعلام في تعزيز دور هذا الخطاب، وإمكانية أن تشكل وسائله قوة كبيرة لإذكاء الصبغة الطائفية على كل مقومات الخطاب الأخرى وكل أسس التحاور، ويشير الزرن إلى بدايات حضور هذا الخطاب ودخوله في فضاء الاتصالات بعد أن عاش فترات طويلة متغذياً على وسائل إعلام أخرى خفية وغير رسمية حسب وصفه.

في البدء يجب تحديد عن أي تكفير نتحدث؟ يقول الزرن ويواصل: »هل المقصود هو التكفير الديني أم التكفير السياسي؟ أصبح الحديث عن الديني هو حديث عن السياسي هذا إذا ما اعتبرنا أن السياسي هو حديث في الصالح والشأن العام وهو الموضوع المركزي أيضا للخطاب الديني.

ثانيا، وجب بيان عن أي إعلام نتحدث هل المقصود هو الإعلام الجماهيري التقليدي - صحافة، تلفزيون، إذاعة - الذي يخضع في مجمله إلى هيمنة أنساق الدولة أو الإعلام الإلكتروني الافتراضي والفضائي الذي يصعب التحكم في مخرجاته ويؤذن بميلاد مؤسسة اتصالية فردية وجماعية غير قابلة لتقنين والتحكم«. ويوضح»ذلك أن المشهد الاتصالي ومنذ بداية هذا القرن بصدد التحول والتغير ومعه تغير العلاقات الاجتماعية والتوازنات السياسية خاصة في المجتمعات التي تشهد مخاضا حداثيا وديمقراطيا عسيرا كالدول العربية. فقد كانت عملية نشر الأفكار وتبادلها إعلاميا في الماضي القريب سهلة الرقابة والتحكم ومسألة متاحة لنخبة هي من صنع البلاط ورجالاته، أما اليوم فإن عملية النشر تحولت من الهرمية إلى الشبكية وأصبحت متاحة لكل من يرغب في نشر أفكاره.

مضيفاً "إن الحضور المتنامي للخطاب المتشدد والذي يوصف بالتكفيري في وسائل الإعلام هو أحد تجليات تحرر المشهد الاتصالي بشكل يوحي بالفوضوية البناءة. فتاريخيا يعتبر الخطاب التكفيري قديما لكن منذ زمن قصير وجد ضالته الإعلامية في المشهد الاتصالي الافتراضي الجديد لكي يتواصل مع الآخر فأصبح أكثر ظاهرية. في الماضي كان الخطاب التكفيري وحضوره في المشهد الإعلامي الظاهر والرسمي يكاد يكون غائبا لكنه كان حاضرا وفاعلا في فضاءات إعلامية أخرى خفية وغير رسمية توصف بالهامشية، وهو في الأصل خطاب جاء نتيجة عملية إقصاء فكري وسياسي من قبل من يمارس حق ومشروعية استملاك القوة، ومنها القوة الناعمة والتي تمثل وسائل الإعلام ركيزتها".

ويتحدث د.جمال عن الفكر التكفيري ويربطه بالخطاب التكفيري السياسي فيقول: »هو ابن بيئته يترعرع في المجتمع ويستمد شرعيته من طبيعة العلاقة القائمة بين الخطاب الرسمي السائد "السلطة" والأطراف الأخرى الممثلة للخارطة السياسية للمجتمع "جمعيات، أحزاب، نقابات". إذن يمكن القول إنه لا يجوز الحديث عن الخطاب التكفيري الديني دون الحديث عن الخطاب التكفيري السياسي. وبما أن لكل خطاب وسائط يبلغ من خلالها رسالته ويتواصل بها مع عامة الناس ومع أنصاره، يقوم التكفير السياسي بالاستئثار بإدارة الشأن العام بشكل يقصى الآخر، وأول إقصاء يقوم به هو إقصاء فعاليات عدة من المجتمع من التواصل مع الناس ومن إمكانية الحضور في وسائل الإعلام".

ويكمل: "إن الإقصاء منتج بالضرورة للإقصاء. ومن خلال ترجمة هذه المقولة إعلاميا نستخلص أن الإقصاء الإعلامي منتج أيضا لإقصاء إعلامي. وأول إقصاء هو الإقصاء السياسي القائم على ملكية الدول للمجال الميدياتيكي المبنى منطقيا على ضرورة إشتراك الناس في ملكية وسائل الإعلام وحرية التعبير أي المساهمة فيما يثار من أفكار قابلة للنقاش في السوق الحرة للأفكار. هكذا يتجه الفكر التكفيري إلى وسائل مهمشة عندما يقصيه التكفير السياسي فيلجأ مثلا إلى الإنترنت والخطب والبيانات السرية ومواقع الدردشة والمنتديات وحتى الكتابة على الجدران، هكذا لا نجد لهذا الفكر أثرا في وسائل الاتصال الجماهيري التقليدية التابعة لسطة السياسي مثل التلفزيون الرسمي والصحف التقليدية والإذاعة فيغيب عن المجال العمومي والفضاء الاتصالي".

متابعاً:"إن الرد على التكفير الديني يكون بتوفير الحصانة الفكرية للمجتمع وليس بإقصائه وتكفيره مرة ثانية، فالكنيسة في أوروبا لم تقبل إلى يومنا هذا وتكفر من يبيح الاجهاض أو زواج المثليين وتقول هذا في خطبها وفي وسائل إعلامها وإلى رؤساء الدول ولم يصفها أحد بالتكفير، لأنها وبكل بساطة تكفر إنطلاقا من سلطتها ومشروعيتها في تملك رمزية الدين في مجتمع حر وديمقراطي".

على هدي ما تقدم -يقول الزرن -إذا ما سعت اغلب الدول العربية إلى تقديم حرية التعبير عبر وسائل الإعلام الحرة والمستقلة وأرست قواعد ديمقراطية نزيهة فإن الحديث عن التكفير الديني لن يكون له سياق وحضور، وذلك انطلاقا من عدم مقدرته على امتلاك الفضاءات الإعلامية الحرة التي لا تقبل إلا الفكر الحر في المجتمع الديمقراطي وترفض بالضرورة كل فكر تكفيري فتلفظه. هكذا فإن السياسي بدوره لن يسمح له وليس من حقه أن يكفر سياسيا وعبر وسائل الإعلام التي يملكها وقوانين المطبوعات التى يشرعها من يخالفه الرأي حتى وإن كان فكره دينيا أو يساريا.

ويواصل "إن الفكرة ومهما كانت مرجعياتها، ليس من حق أية جهة الحكم عليها قيميا وهي في المهد بل إن الحكم على الأفكار يأتي بعد نشرها، وإن عملية النشر اليوم عبر وسائل الإعلام ضرورة لميلاد أو موت أية فكرة. إذن فالحكم على الأفكار لا يجب أن يقع قبل أو اثناء نشرها وإنما في مرحلة تلقيها أي وصولها إلى الجمهور. فإذا كانت تخدم المجتمع فستستمر، وإذا ما كانت ضارة بالمجتمع فسيقع لفضها وذلك من خلال ما هو متوفر من حصانة في المجتمع، وهذه الحصانة هي حرية التعبير عن الرأي والديمقراطية وخاصة سلطة دولة القانون والمؤسسات القائمة على مرجعية عقلية. إن إقصاء أية فكرة من الحضور في وسائل الإعلام هي دعوة لميلاد سوق سوداء للأفكار »تكفيرية« ووسائل إعلام أو علب سوداء للإعلام »إعلام تكفيري".

إن الفضائيات والإنترنت اليوم والتي عبرها ينشر الفكر التكفيري ايديوليجيته هي امتداد لوسائل إتصالية أخرى كانت في الماضي مهمشة استحوذت عليها فئات مهمشة أيضا، ويمكن ذكر شريط الكاسيت والخطب والمناشير السرية والأناشيد الدينية والأغنية الملتزمة وقد اعتبرت كل هذه الوسائل الإعلامية في السبعينات عنوانا لميلاد إعلام بديل. إن التكفيريين وغيرهم من المهمشين عن ساحة الفعل الاجتماعي يعتبرون بأن رسالتهم الإعلامية هي إعلام بديل وثوري في مواجهة إعلام السلطة وهذا الإعلام التكفيري يعتبر بدوره في نظر الآخرين بأنه إعلام متطرف وإرهابي. إن لكل نسق ونظام ما مقاومة وذلك حتى تثبت مشروعيته، فمشروعية أية ظاهرة اجتماعية حتى وإن كانت إعلامية مصدرها فيما يوجه لها من نقد وبدائل قد تبدو للبعض هامشية. هكذا لا تستوى قيمة المنتديات مع تأثير التلفزيون لكن يمكن اليوم أن يؤثر التكفيريون عبر المنتديات أكثر مما يؤثر من هم في السلطة عبر التلفزيون.

إن وسائل الإعلام هي عبارة عن وعاء فهي سلبية وبريئة، لكن مع ذلك توجه لوسائل الإعلام تهمة التكفير عندما يتحول وعيها اي مضمونها إلى فكر تكفيري، إذن فعلينا وحتى نصحح أصل المشكلة أن نحارب الوعي "الفكر" قبل محاربة الوعاء"وسائل الإعلام".

بعيدا عن التراشق الخفي بين من لهم مصالح ظرفية في تغذية هذا الصراع نعتبر فكريا ومنهجيا أن شرعية التكفير الديني في الوطن العربي هي من شرعية التكفير السياسي، والعكس صحيح، إنه تبادل خفي للأدوار يحاك بواسطة وسائل الإعلام التي أصبحت أسيرة هذا وذاك وغابت عن اهتماماتها مشاكل عامة الناس الطامحة للحرية والديمقراطية وسلطة القانون.

مصدر المقال: صحيفة الأيام - www.alayam.com
 
الوصلة
 

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 07 اكتوبر, 2007 12:02 م , من قبل رضا
من تونس

دمت مبدعا ....
صديقك رضا

اضيف في 13 يونيو, 2008 12:03 ص , من قبل paak
من البحرين

صحيح ان الدين بات ستار للكثيرين ليحققوا مآربهم الأخرى.. لكن لا يمكن الفصل بين الدين والسياسة عندنا نحن المسلمين.. لان الدين الاسلامي ليس دين تعبد فقط بل منهج حياة..!!



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية